الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

في الظلام .. أشخاص آخرون

ينتظر الليل كل يوم ليرخي سدوله .. كطفل يستعجل طلوع شمس يوم العيد ليرتدي ثيابه الجديدة ذات الألوان الجذابة، ليباهي بها أقرانه وهو في قمة الفرح والسعادة. لكنه كان ينتظر الليل ليختبئ تحت ظلامه ويتوارى عن أعين البشر ليناجي نفسه ويغسل مقلتيه بدمعه الذي يسيل كماء الشلال دون توقف وانقطاع. يشد على نفسه كثيراً أثناء تلك اللحظات كي لا يسمع أحد أنينه وما يخرج من صدره نتيجة هذا الانفجار الليلي الدائم، فهو جبل صامد نهاراً، وبركان يغلي كالمرجل ليلاً. تحت ضوء الشمس ووضح النهار يترجل شامخاً كأنه قد يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولاً، وفي عتمة الليل طفل في المهد تركته أمه دون غذاء. فحاله كبقية خلق الله تمر به ساعات الضعف التي تعتري كل إنسان. ولكل نقطة ضعفه التي تجعل منه شخصاً آخر غير المعتاد على الأقل بينه وبين ذاته. تغلب على مصاعب الزمن وعثرات الحياة التي كانت تنتظره عند كل طريق يسلكه، فتحمل موجات البرد القارس في العراء دون غطاء وآلام البطن الفارغة دون طعام، كما كانت بالأمس القريب تلسعه أشعة الشمس الحارة التي تغير ملامح البشر، فيصير الذي يجول بين الناس بدون شعور. أخذ نصيباً وافراً من العوز وقلة ذات اليد، من هجر الأصدقاء والأقارب ونظرات المارة. يعيش لكن من دون روح تتحرك داخل جسده الهزيل، ويمشي بين الناس كأي شيء ملقى على قارعة الطريق تدهسه الأقدام، وإن انتبه له أحدهم فعامل النظافة الذي يبعده كي لا يتعثر بسببه الآخرون. فهو ليس بدعاً من البشر أمثاله كثر في حياة الناس، وبذلك كان يتقوى ويستأنس، ينشد الدواء لآلام تقرح جسده بها، ويطلب المخرج من نفق اشتد ظلامه طويلاً .. ولكن ذلك يحتاج إلى من يمسك المصباح عند المنفذ ليرى طريقه، ومن يجلب الدواء عند وقته لتلتئم الجراح.
#بلا_حدود