الاحد - 23 يونيو 2024
الاحد - 23 يونيو 2024

حسنات التعارض والتناقض

اتحاد الرأي الذي ينبني على أساس التعاون التفاهمي والمبدأ المشترك، أفضل من غيره على وجه من الوجوه، وهو فضلاً عما يقدمه من قوة للمشاركين فيه، يصبغهم بصبغة الارتياح والطمأنينة، إذ يحيط بهم الأمان من كل جانب، فلا يعودون يخشون الآراء المخالفة أو وجهات النظر التي تعارضهم، بل ويأمنون الثورات الداخلية فيما بينهم. فقد أصبح ذلك الاتحاد شديد البأس لا يعتريه عارض ولا يحيد عنه المتمسكون به. ولكن المشكلة الكبرى التي تختفي بين جنبات تلك الوحدة، هي الركود الدائم. فلماذا يشغل المتحدون أنفسهم بالآراء الأخرى المخالفة طالما أنهم على ما هم فيه فرحون. إن القيم التي يسعى الناس إلى تحقيقها كالاتفاق والتناغم والتسامح كلها قيم نافعة وعملية في الوقت عينه، إلا أنها إذا أضحت صيرورة لا حياد فيها، ظهر عنها ركودٌ قاتل يجعل المتفقين والمتحدين كالقتلى. فهم لا يتعارضون ولا يسمحون لأنفسهم بذلك. فتغدو مبادئهم وقيمهم التي يتشبثون بها متأخرة وجامدة. فهم لا يقحمون أنفسهم في مستجدات الحياة ولا يجرون كما يجري الآخرون في محيطهم الاجتماعي. بل إن المتعارضين والمتناقضين أفضل منهم على وجه من الوجوه. فالمتحرك خيرٌ من الساكن ولو أعجب الساكن سكونه. إن خير مثال لحسنات التناقض والتعارض ما يجري في المجتمعات الديمقراطية. فرئيس الحزب المنتخب يحيط به الخوف والهلع من الأحزاب الأخرى المعارضة، وهو ملتزم إلى حدٍ قليل أو كثير بما يقدمه من وعود وإصلاحات، وإلا فإن المعارضين له بالمرصاد. وهذه وإن ظهرت مساوئ فإن لها وظيفتها الاجتماعية الفاعلة التي يجب ألا نغفل عنها. فهل يستوي صاحب السلطة الذي يتجنب الوقوع في الفشل بسبب من ينتظر عثراته من المعارضين وصاحب السلطة الذي هو في مأمن من الترقب واصطياد الهفوات؟ إن هذه الكلمات لا ترمي بحال إلى الاعتراض على كل شيء أو خلق التناقضات للإطاحة بمن يجتهد ويعمل بإخلاص. إنما لبيان الفكرة القائلة بأن الاتحاد في الرأي لا ينبغي أن يطمس مبدأ النقد أو الاعتراض. إن المتحدين والمتفقين على الدوام يشبهون الموتى من حيث إن جميعهم لا حراك فيهم. وإذا لم تتسم الحياةُ بشيء من التنازع والتعارض وأصبحت حياة اتفاق واتحاد دائم، نهش الركود عظامها وماتت.