الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021

كنت تلميذاً ليحيى الجمل (3-3)

بعد الانتهاء من استيضاح رؤية وملاحظات الأستاذ يحيى الجمل عما طرحته عليه من جهد، وما يجب أن يتم في الفترات المقبلة، تلكأت قليلاً .. فلم أنهض من مكاني كالعادة استعداداً للانصراف تقديراً لوقت الأستاذ الثمين، بل لزمت المقعد، حتى تنبه هو لذلك، حتى قال «عايز حاجة يا بني؟ فقلت ولأول مرة مذ عرفته: نعم .. فأن أطلب من يحيى الجمل أمراً، هذا ما كنت أحذره دائماً ولا أتصور القيام به، فمن أنا كي أطلب؟ .. لا، هذه المرة سأطلب. تجرأت وقلت نعم سيدي، لي طلب، وطلب يلح علي .. ولا أتصور أن يقر ما يعتمل في صدري من اضطراب، إلا بعد أن تسمعه مني، وسأكون في غاية السعادة لو تحقق.. فقال «خير يا بني، اطلب، فقلت بجرأة أغبط نفسي عليها «أريد أن أكون نصف يحيى الجمل» !! لوهلة ذهل، ثم تبسم، وسرعان ما ارتسم على قسمات وجهه المرهق حزن طفيف .. كدر .. وقال «ومن يحيى كي تتمنى أن تكون نصفه، ستكون أفضل من يحيى الجمل، لكن نصيحتي لك أن تأخذ كل شيء في الحياة بجد، لا تضع وقتك في الهزل فيما لا طائل وراءه .. حتى المزح خذه بجد». ولم يزد على ذلك .. سكت، حتى شعرت بوطأة عبارته .. ثقيلة .. لكني أشغلته عن عمله ومقابلاته لعملاء مكتبه .. شعرت بأني أكثرت عليه أكثر مما ينبغي، فاستأذنت بالانصراف .. استئذاناً مصحوباً برجاء.. رجاء بالسماح لجسدي بالرحيل، دون ذهني الذي طلب وآثر البقاء .. البقاء عنده في المكتب .. رفض الانصراف، فما زالت هناك تأويلات وتفسيرات جمة لعبارته المقتضبة القصيرة هذه .. عبارة عميقة عمقاً يغرق متلقيها من أول وهلة .. ضخمة بصورة يصعب حملها .. قليلة الكلمات. لا تروي .. كالدواء يؤخذ منه القليل على فترات .. قد تطول .. مما قد يطول معه العلاج والتعافي .. إلا أني منيت النفس بمقابلة قريبة معه، فعزمت عل العودة ثانية، قريباً جداً .. كي أستعلم عن كلمة قالها.. أستزيد من علمه و خبرته ودروسه الشيقة. فخرجت على أمل بلقائه سريعاً .. إلا أنه أبى، وفضل الرحيل. رحل يحيى الجمل، رحل وظل ذهني عنده في المكتب رافضاً الرحيل قبل الارتواء .. فالعطش ألم به، لكن الساقي رحل. رحمك الله أيها العالم .. أيها الفارس الذي ترجل..
#بلا_حدود