الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

الوهم (1 - 2)

قبل أن يسلم نفسه للنوم يفكر في تلك العينين اللامعتين اللتين يراهما يومياً من خلف النافذة في أعلى تلك البناية في طريقه إلى العمل، يشغله أمرهما، ويحيره، فهو منذ عشر سنوات لم يتقدم بخطوة. ليس له مشكلة مادية مع أي فاتورة أو أي استحقاق، إلا أن الهاجس المادي هو أول اهتماماته دائماً، كما هو أول مخاوفه، فمنذ وفاة والده الذي ترك له مبلغاً محترماً من المال، وهو وفيّ لنهج أبيه في السعي الحثيث، لا يعرف لا أصدقاء ولا وقتاً للراحة، ولا يعترف بمندوحة للترفيه والاستجمام. لم يخرج من بلدته يوماً، لأنه لا يمكنه أن يترك العمل الذي يعني له أرقاماً جديدة، ولكنه مع ذلك لا يخسر شيئاً حين يكرّس ساعة أو ساعتين من التفكير والتفاعل مع تلك العينين اللامعتين في تلك العتمة، لا بأس من التوقف أمام هذا الوفاء اليومي منذ سنوات، الأكيد أن صاحبته تكنّ له من المشاعر أنبلها، ولكن يبدو أنه لن يتحرك إلا بمعجزة أو بزلزال يغير جميع المفاهيم. هذه الليلة تقلب كثيراً على فراشه، لم يفكر في تلك العينين، بل لم يكن تفكيره منصباً على شيء بعينه، هي صور تعرض أمامه يعجز عن توقيفها، ولكي يخدعها يحاول استحضار تلك العينين، وما إن تستجيبا حتى تتشبثا فيه ولا تتركاه، فتصبحان هما في حد ذاتهما مشكلة، يقنع بهما بوصفهما مشكلة ممتعة، ولكنهما تبالغان في وظيفتهما، فترهقانه حتى يبدو عليه التعب في الصباح، ويصبح منظره مع الأيام ملفتاً للنظر، ويصير فجأة عرضة للشكوك التي تحوم حول كل المواضيع لا تحاشي شيئاً، حتى رست على افتراضية دخول أنثى في حياته، فأصبح عرضة للتندر بالتلميح، ومع الأيام صدق نفسه بأنه مغرم، وصدق أيضاً أنه مثل بقية البشر، لذلك قرر أن يبحث عن صاحبة العينين.
#بلا_حدود