الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

داعش .. النقمة

مستحيل ومعجزٌ الخوض في أفكار مجتمعات ترسخت حتى صارت مسلمات، أو رسخت في عقول أفرادها حتى صارت مع مرور الوقت أقوى ثباتاً فأقوى، فانتهى بها الأمر أن صار من ثبات الهوية الحفاظ على تلك الأفكار التي انتهى بها المطاف إلى منزلة القدسية. أغلب الأفكار التي نحملها بوصفها أفكاراً سوية أو مطلوبة الحدوث في حياتنا نحكم عليها بأنها رائعة المردود على البيئة التي سوف تجعلها واقعاً، لذلك نجد حالة شعبية من الحنق والغضب عن محاولة حلحلتها أو التساؤل عن جدواها طالما أننا مقتنعون بها، فكيف لو كانت تحظى بشيء من القدسية؟ إن الخطاب الاستفهامي إزاءها إذاً هو فعلٌ إجرامي ضد مقدس، تكون الحرب ضد هذا التساؤل هي حرب ذات قدسية مغرية لمعتنقيها. لم يكن بالإمكان إزاء مجموع الأفكار التي كانت محوطة بالألغام سوى أن تترك حتى يتكفل الوقت بعلاجها على طريقته، فالحديث حول مشروعية الفكرة الإبليسية لم يكن سوى حرب خاسرة مقدماً تنتهي بحال خاسرها أن يدون اسمه في ديوان خزيٍ معدٌ منذ أجيال لتدوين أسماء كل الخاسرين تحت عنوان «الزنادقة». توقفت المحاولات لنفي مشروعية تلك الأفكار، أو فلنقل تحت وطأة السطوة ووأد التساؤلات، قل الحديث حول مشروعية تلك الأفكار، حتى جاد الوقت علينا بداعش. داعش، النقمة النعمة، لطالما انتظرنا الألم، لقد احتجنا أن تكون الفكرة التدميرية المحوطة بالمقدس واقعاً حتى يُرى قبحه، فحامل الفكر لم يقتنع يوماً بأن ما يتصوره مقدساً أو صُوّر له أن كذلك، ليس إلا جرماً ألبس زوراً لباس المقدس. وعوداً على بدء لقد كنا نحتاج إلى داعش برغم ما سببته من كوارث. لماذا احتجنا أن تكون موجودة؟ لأنه وببساطة كان جريمة الحديث الفكري والتنظيري لنسف كوارث فكرية تراثية وُضعت ضمن إطار المقدس فصارت بذاتها مقدساً لدى العامة، ومن هنا أتت الحاجة لوجودها. ما قبل داعش كان من يحاول فكفكة ألغام فكرها في عقول الأفراد يصطدم بممانعات الأفراد أنفسهم، مستخدمين سلاح التكفير أو التفسيق مدعوماً بسلطة جماهيرية غوغائية إزاء المُفكك. لقد احتجنا داعش لكي ينقلب أولئك الممانعون بأنفسهم على أفكارهم التي طبقتها داعش فرأوا بشاعتها التي كانوا ينكرونها. كان صراع الفرد الذي يشاركهم الفكر قبل أن يراه أهم مكتسباتنا من داعش، لقد أهدت داعش إلينا جميلاً بتطبيق تلك الأفكار غير السوية، واختصرت ألف طريق وعر لنسف تلك الأفكار. فرب نقمة حملت معها نعمة، وداعش نقمة على الحياة برمتها أتت بغير رغبة منها بنعمة ضرب الخطاب الإبليسي نفسه بنفسه، وجعله في تلك الزاوية الحرجة التي لا مفر له منها إلا أن يفكك تماماً. لقد كان المفكر لمحاربة فكر داعش يحمل مطرقة هدم، أما اليوم فيكفيه أن يحمل صورة لماهية تلك الأفكار على الأرض بعد أن طبقت.
#بلا_حدود