الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

عقلانية الخشت ومراحل تطوره الفكري

تعتمد عقلانيّة محمد عثمان الخشت على إعمال العقل في كل شيء وعدم قبول أي رأي مهما كانت شهرته إلا بعد فحص وتمحيص عقلاني. وكأنه ديكارت يعود من جديد بعدما تخلص من مسوحه اللاهوتية وأخلص لمنهجه العقلاني. والعقل عند الخشت جوهر مجرد عن المادة لكنه ملاصق لها، وامتداد نوراني للغيب في عالم الشهادة، وهو من أهم جوانب الروح وأوضأ وأنفذ نور لماهية الإنسان. وقد طبعت هذه العقلانية أعماله جميعا منذ البداية وحتى الوقت الراهن، منذ اهتماماته الفقهية في تلك المرحلة الأولى المبكرة من حياته ما بين (1983- 1990) والتي حرص فيها على الالتزام بروح الدين السمحة وبالبعد التام عن أي إفراط أو تفريط ليثبت همة عالية في الغيرة على صحيح الدين، ويفضح المتفيهقين وتجار الدين الذين عميت بصائرهم إما عن جهل أو هوى أو سوء فهم لروح الدين الإسلامي السمحة. ثم انتقل الخشت بعد ذلك إلى المرحلة الفلسفية الخالصة (1990- 2010) ليقدم روائعه الفكرية فَيُسْقِطَ أقنعة ديكارت العقلانية ويصف عقلانية ليبنتز بالعقلانية التبريرية ويكشف عن الجانب العقلاني في فلسفة هيوم على الرغم من كل ما كتب عن تجريبيته، ويبين مواطن الاشتباه في فلسفة كانط فيكشف عن جانب تجريبي بجانب اتجاهه العقلاني. ثم ينتقل إلى مجال فلسفة الدين ليقدم أول دراسة عربية أصيلة حول فلسفة الدين بعنوان «مقدمة في فلسفة الدين» عبَّر فيها عن منهجيته العقلانية الخالصة في تناول القضايا الدينية الشائكة، وتتوالى المصنفات والمؤلفات حتى يقدم نظريته الفلسفية الأصيلة عن «تطور الأديان»، والتي أعتقد أن الدارسين سيتوقفون عندها طويلاً جداً لما بها من جدة وأصالة فلسفية قلما وجدت في الدراسات الفلسفية العربية منذ مدرسة الإمام محمد عبده وحتى يومنا هذا. ثم كانت المرحلة الثالثة (2010- ؟) مرحلة تقديم مشروعه الفكري «نحو تأسيس عصر ديني جديد» الذي يرى من خلاله ضرورة تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني المتكلس، لأن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر وممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر، وإعداد كوادر واعية بصحيح الدين لا فقط بدراسة العلوم الشرعية بل بدراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولذلك عمل الخشت من خلال مشروعه الفكري في «تجديد العقل الديني» على مجموعة من المهام العاجلة شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل؛ تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلّب.
#بلا_حدود