الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

يوميات مغترب

كانت الأوراق وأغراض أخرى منتشرة على الأرض في فوضى عارمة، وكأن قنبلة أُلقيتْ في الغرفة .. وقفتُ وأنا أحك فروة رأسي ناظراً حولي مفكراً في الطريقة المثلى لتنظيف الغرفة بأقل جهد، بدأت أجمع الأوراق من على الأرض، فوقعت عيناي على تذكرة سفر من بين الأوراق، شعرتُ بالبرودة وهي تتسلل إلى جميع أطرافي، وبخفقات قلبي تتزايد عندما قرأت التاريخ المدون على التذكرة، إنه تاريخ سفري ورحيلي إلى الغربة. جلستُ على طرف السرير أمسح العرق الذي تندى على جبيني، أغمضت عيني وسحبت الهواء إلى رئتي في نفس عميق، فصدري مزدحم بكثير من المشاعر ما بين اشتياق، وفقد، ووجع، وحزن، وحيرة وأسئلة لا تغادر رأسي.. وتذكرت: كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً .. فقد حان الموعد للذهاب إلى المطار .. كنت طوال اليوم تزعجني بعض الأفكار التي أتخيلها عن السفر والغربة .. أفكر في أمنياتي التي ما تحققت أبداً .. وكثرة الازدحام في رأسي.. ولكن أعلم جيداً أن أحلامي من حقي ويوماً ستحقق .. انتهت الأيام الدافئة في أحضان العائلة والوطن ... لملمت أغراضي داخل حقيبة .. وأصبحت جاهزاً للسفر ... ابتسم أبي ولكن ابتسامته كانت خافتة، وعيناه حزينتان، وظهر على أمي الانفعال والضيق، كانت الشمس قد قاربت على الرحيل ناثرة وراءها لون الشفق المحمر، وبعض السحب المعلقة بالسماء، والجو هادئٌ وجميلٌ نسمة هواء خفيفة تنتقل عبر نافذة السيارة. سلكت طريقي إلى ساحة الوداع واللقاء .. أرض الدموع باختلافها .. إلى المطار ... المكان الذي يتشابه فيه الناس، تلتقي فيه العيون، تبرق فيه دمعة أمل بلقاء آخر .. وبين فراق الأحبة .. واحتضان دقات قلبي، والصراع بداخلي بين الأمل واليأس .. الخوف والتحدي .. يدوي في المكان صدى صوت النداء الأخير للمسافر على متن الطائرة. رفعتُ رأسي قليلاً وقد تذكرتُ شيئاً، نظرتُ إلى الدولاب الخشبي الموجود في أحد أركان الغرفة وأخرجت منه دفتراً، دونتُ تاريخ اليوم والساعة، ثم قفلته ووضعته بمكانه ... اشتريت ذلك الدفتر منذ زمن؛ لأدون به خواطري ومشاعري، سأكتب كل شيء به، سأجعله توثيقاً لفترة غربتي فبداخلي الكثير من المشاعر، ودونتُ ملحوظة صغيرة مفادها .. أنا مؤمن أن الفصول الأربعة، ستظل دوماً أربعة، وبأن هناك شمساً واحدة، وقمراً واحداً، لكنني حين اغتربت عن وطني اكتشفت، أن كل الأمور تغيرت، فأضفت قمراً غريباً، وأضفت شمساً ثانية، وأضفت فصلاً خامساً، وهو فصل للغربة .. وما أصعبه!
#بلا_حدود