الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

أدب الوطن

العلاقة التي تنشأ بين الإنسان ووطنه علاقة خاصة، لا تحكمها شروط ولا مصالح، بل هي علاقة روحية سامية لا ضوابط لها ولا حدود، لأن الإنسان بطبعه الفطري يهوى بلاده التي نشأ على ترابها، واستظل بظلها ودرج في ربوعها. والحنين إلى الوطن كان وما زال أحد أهم المواضيع التي غذّت أدبنا العربي منذ العصر الجاهلية إلى عصرنا الحاضر، وإذا كان الشعراء الجاهليون لا يبدؤون قصيدة مهما كان موضوعها إلا بتذكر الأوطان والبكاء على الأطلال والحنين إلى المنازل والديار فإن في أدبنا الحديث وفرةً وغزارةً في هذا النوع الذي تصح تسميته بأدب الوطن، وزاد من وفرته كثرة شعراء المهاجر وأدباء المنافي الذين ابتعدوا أو أبعدوا عن أوطانهم نتيجة للصراعات السياسية والحروب والنزاعات والمشاكل الاقتصادية في منطقتنا العربية. ولعل من أجمل من جسّد الحنين إلى الوطن خير الدين الزركلي في قصيدته المعروفة: العين بعد فراقها الوطنا .. لا ساكناً ألفت ولا سكنَا ريانة بالدمع أقلقها .. ألا تحس كرى ولاوسنَا وقديماً صوّر أبو تمام الحنين إلى الوطن تصويراً بليغاً يشف عن حب عميق راسخ: حنّ إلى الموت حتى ظن جاهله .. بأنه حنّ مشتاقاً الى الوطنِ على أن تعلق الإنسان بوطنه لم يكن يوماً محكوماً بشروط أو مصالح متبادلة، بل على العكس من ذلك تماماً، كانت علاقة المواطن بوطنه منذ القدم قائمة على الحب الخالص المستقر في النفوس، وبرغم ما يزعمه القائلون بمعادلة الحقوق والواجبات فإنها على أهميتها ليست إطاراً لهذه العلاقة أو محدداً لها، بل هي عامل من عوامل زيادة الصلة وتوثيق العلاقة، أليس الشاعر يقول: بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة .. وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ ولعلي أختم هذه المقالة بما ذكره الأصمعي حيث يقول: دخلت البادية مرةً فنزلت على بعض الأعراب فقلت: أفدني، فقال: إذا شئت أن تعرف وفاء الرجل وحسن عهده وكرم أخلاقه وطهارة مولده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوّقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه.
#بلا_حدود