الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

الحنين إلى الماضي

دائماً الحنين يجرنا إلى الماضي القريب وكما قال الشاعر (كم منزل في الكون يألفه الفتى .. وحنينه أبداً لأول منزل). والماضي لا يعود ولا ينسى، وأغانيه الجميلة ما زالت عالقة في الذاكرة .. سليمة باشا مراد (على شواطي دجله مر) وزكية جورج (أنا من أكولن آه) ولميعة توفيق (يالماشية بليل لهلج) ووحيدة خليل (جا وين أهلنا) وناظم الغزالي (أي شيء في العيد أهدي أليك) ويوسف عمر (جي ما لي والي) وحسين نعمة (يا حريمه) وحميد منصور (على مهلك) وغيرهم من عمالقة الطرب العراقي. كانت رائحة السمك لا تقاوم ولا يطفئها سوى شراب بارد منعش .. وكانت ساعة (الجوفيال والفلكه) في أيدي شباب المحلة أغلى ما يملكون وأكثر حداثة، كانت حبات المطر أكثر اكتنازاً بالماء وأخبار الساعة الثامنة مساء أخف دماً .. ومذاق الشمس في وجوهنا أطيب والطرقات أقل ازدحاماً، وبنات المدارس يخبئن أنوثتهن بين ملابس الزي الموحد والعباءة. أيام زمان كانت غمزة المطربة، سميرة توفيق، أكثر مشاهدات التلفزيون جرأة وإثارة وهي تغني (يا عين موليتين يا عين موليا)، وكانت في العراق أجرة الباص 15 فلساً فقط، وهو يجوب بك الطرقات من مركز المدينة إلى أقصاها، كان الحليب والجبن والقيمر من إنتاجنا المحلي، نشتريه طازجاً للبيت في الصباح، والصحف تنشر جميع أسماء الطلبة الناجحين في امتحان «البكالوريا» ومعدلاتهم .. ومجلة المختار وألف باء المستعملة نشتريها بعشرة فلوس، وكانت المناديل (الجفافي) توزع مع دعوات الأعراس ومعها جكليت (ملّبس) ملفوف بال سيلفون، والجارة تمد يدها من خلف الباب بقوري الشاي للزبال فيمسح عرقه ويستظل بالجدار. أيام زمان كانت سيارة نقل الركاب (الباص) هي الأكثر شعبية وجمالاً، وصندوق السعادة أهم برامج المسابقات التلفزيونية، ولم نكن نعرف بعد ملمّع أحذية سوى أبو التمسا، كان الكمون يوصف علاجاً للمغص والزعتر والورد للإصابة بنزلات البرد، والأولاد يقبلون أيادي الجيران صباح العيد، والجكليت والواهلية وصينية الزلابية في مقدمة أحلام الطلبة الناجحين. وكانت أم القيمر تحمل أطباق القيمر والزبد واللبن إلى بيوتنا، كانت جريدة البلاد والأخبار مصدر معلوماتنا، وكانت مجموعة غازي من أجمل رسوم الكاريكاتير .. وصورة المطربة صباح على ظهر المرآة اليدوية المعلقة على الحائط، وكان التلفزيون يفتح ويغلق شاشته مثل أي مطعم أو محل تجاري، أما جامعات بغداد والبصرة والموصل فكانت معقل العلوم الإنسانية والعلمية وحلم طلاب المدارس في جميع محافظات العراق. أما رسائل الغرام فإنها تكتب على أوراق تبيعها المكتبات العامة مطرزة ومزينة بالفراشات والورود الملونة قبل ولادة الموبايل والإنترنت. أيام زمان كانت جوازات السفر تكتب بخط اليد ولا تحتاج لرشوة ولا إلى وساطة للحصول عليها، وكان السفر إلى تركيا أو سوريا بالقطار المتري، وفيزة أوروبا تأخذها وأنت تشرب الشاي أمام مبنى السفارة.
#بلا_حدود