الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021

عقائد العامة

عقائد العامة عقائد تلقينية، رضعوها مع حليب أمهاتهم، وتناولوها مع وجبات طعامهم، ولم تهضم لدى البعض، ذلك أن محاولات التساؤل حولها يجري قمعها، أو تأجيل النقاش فيها إلى أمد يكون معه نسيانها، وهذا له ارتدادات لا تحمد عقباها. وعقائد العامة مفيدة متى ما كان عاقدوها أهل ضمير حر وأهل مسؤولية وإيمان قويم، وأما إذا تحكم بها أصحاب التشدد، والتعصب، وجاعلو الأصل في الأشياء التحريم بدلاً من الإباحة، ثم جرى استغلال ذلك من قبل أهل الأهواء والأيديولوجيات؛ فهنا يكمن الخلل. ذلك لأن هناك من ينتحل عقائد العامة ويظهر ولاءه المتعصب لها، ودفاعه الشرس عنها، ليس عن إيمان بحقانيتها، وإنما بهدف استدماج العامة ضمن كتائبه التي يريد عن طريقها تحقيق مصالح ونفوذ ما. من أجل ذلك يرى الدكتور فهمي جدعان، مؤلف كتاب المحنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام، والذي تناول فيه قضية امتحان المأمون لفقهاء بغداد ومطوعتها، أن المأمون لجأ للامتحان من أجل الحد من نفوذ هؤلاء الفقهاء الذين شكلوا به دولة داخل الدولة. فالأمر عائد إذن لضرورة استرجاع سطوة الدولة ونفوذها الذي أصبح ينخر فيه أهل المطامح متوسلين في ذلك مفهوم الاحتساب الشرعي الذي دشنه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لأول مرة ليكون إحدى وظائف دولة الإسلام في عهده، غير أن الكثير في العصور اللاحقة انحرفوا عن المقصد الذي تأسس آنذاك، فعمدوا إلى سلب الدولة إحدى أهم وظائفها، وهذا ما يجب ألا تنازع الدولة فيه. إذن، فالمأمون نظر للموضوع على أنه منازعة له في دولته، وأنه واجب عليه بوصفه رجل دولة قوياً أن يضع حداً لهذا السطو على دولته. عمد المأمون لذلك حتى يوعي العامة بشأن حقيقة هؤلاء الفقهاء والمطوعة؛ الذين انتحلوا - كما يقول جدعان - عقائد العامة التي تشكلت على التعصب، ولم تخض أي جدل أو تواصل وتثاقف؛ لذلك لا يمكن أن ترضى بمجرد الاستماع إلى ما يصادم عقائدها المتشكلة بالتلقين. فالمأمون أراد تحييد سلاح خصومه وذلك بإظهار هؤلاء الخصوم على حقيقتهم أمام أتباعهم! وبغض النظر عن نجاحه في مسعاه أو فشله، فإن ذلك يظهر جلياً خطر أولئك على الدولة، ويظهر أهمية أن تقوم الدولة - إن أرادت أن تحافظ على قوتها وعلى دورها - بما يضمن تحييد هذا الخطر، وهو ما أدى بالدولة العثمانية فيما بعد إلى استحداث مؤسسة دينية رسمية تكون ضمن جسد الدولة، وتضمن به توجيه تدين العامة للجهة التي تضمن بها عدم خروجها عليها، وهو ما تابعتها فيه دول الإسلام حتى وقتنا الحاضر. إلا أن ذلك لم يحيد خطر منتحلي عقائد العامة أولئك بالكامل، حيث تشكلت جماعات وحركات دينية خارج مؤسسة الدولة، تحاول التشغيب - مستخدمة انقياد العوام لهم - من أجل امتلاك دور مماثل لدور المؤسسة الدينية للدولة. وهذه الجماعات التي تدين بولائها في الأغلب لأحزاب لا تعترف بالأوطان ولا حدودها؛ أصبحت تشكل الرحم الخصب الذي تتوالد عنه الجماعات الإرهابية والخلايا الاستخباراتية التي أصبح أمر مواجهتها من قبل الدولة محتوماً، وهذا ما نشاهده بحبورٍ هذه الأيام، حيث جرى التصدي لأساطين هذا الفكر بهدف تجفيف منابع التشدد والتطرف. ونحن نبتهج ونؤكد على أهمية هذه المواجهة، نؤكد كذلك على أهمية توجيه عقائد وقناعات العامة للجهة التي تضمن تمسكهم بصحيح الدين الذي يؤصل فيه للأشياء بالإباحة إلا فيما ورد فيه نص بالتحريم، وتبعدهم عن التطرف والانغلاق، وذلك بإدخالهم لأجواء السجال الفكري الديني الذي ساد تاريخ الإسلام سواء داخل طوائفه، أو حتى مع ديانات أخرى، ففي ذلك ما يعزز قيم التعارف والتسامح والتعايش.
#بلا_حدود