الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

عمامة صفراء

يحكى أن رجلاً يحمل على ظهره كيساً جلدياً كبيراً، طال به السفر في بقاع مختلفة من الدنيا، يحمل من البساطة ما يحمل، كان حسن الوجه مرتب الهندام، ولا يكف عن ترك علامات الاستفهام المكدسة أينما حل. كان يسأله المارة وأهل المكان ما إن يصل، عن السبب الذي جاء به إلى هنا، فلا يجيب إلا بما أراد أن يجيب، وما أن يمل الناس من وجوده الغريب ومن أسئلتهم التي لا تلقى لها مأوى حتى يتركوه. كان يقضي ساعات طويلة في العمل على ما لا يفهمون ولا يرون وما إن يفرغ حتى يضع كومةً من العلامات في قلب المدينة ويرحل عنها .. فيقوم أهل الكلام أو أهل المكان بمراقبة الغريب ليبنوا على أفعاله قصصاً وهمية تشبع فضولهم. في يومٍ من الأيام كان الغريب يلبس عمامة صفراء فاقعة اللون، فأدرك الناس اختلاف عمامته، وبدأت القصص تُحكى وتُروى والكذب يحاك وينتشر. قيل إن العمامة هي شال محبوبته، ومن شدة الفضول ذهب أحد الناس وسأله لماذا ترتدي العمامة الصفراء ولم نرك ترتديها من قبل؟ فأجاب لأني أرغب في ارتدائها! فرحل عنه. ثم قال أهل المكان إن العرب أخذت محبوبته نحو ملك ليزوجوها، فتركت له هذا الشال وما إن اشتاق لها حتى لبسه، وقام عدد من الشعراء بوصف محبوبته وصفاً دقيقاً وكأنهم رأوها رأي العين. تعاطفت بعض النسوة معه، فأخذن يضعن الطعام أمامه ويرحلن، وكرهه بعض الرجال ونبذوه بألقاب كثيرة تقلل من رجولته، نتيجة تعلقه بشال. لم يستغرب الغريب أفعالهم فقد مر على الكثير من المدن، وفي الحقيقة لم يكن لديه الوقت ليهتم بهم، كان لديه مهمات ليفعلها وعملٌ لينجزه. وفي يوم من الأيام لبس عمامةً زرقاء، فانتشر الضيق وانقلبت النسوة في أفعالهن، ولم يعدن يجلبن له الطعام أبداً، وظل الرجال حائرين مما يفعل هذا الغريب. في الحقيقة هذا الغريب لم يتعرض لأحد ولم يتدخل إلا في شأنه، ولم يكترث بما يفعلون أو يقولون، إن جاء منهم خير شكرهم، وإن جاء منهم سوء سكت. وما إن انتهى من عمله حتى لبس عمامته القديمة التي أتى بها ورحل تاركاً في المكان علامات استفهام كثيرة. كان الغريب صاحب علم يدرس الأرض والمعادن ويقضي يومه في القراءة والبحث والتجربة وحل المسائل المتعرقلة، وما إن يكتشف أمراً جديداً حتى يلبس العمامة الصفراء متباهياً بنباهةِ عقله، وما إن توقف عن الاكتشاف وحان موعد الرحيل حتى لبس الزرقاء ليشجع نفسه بأن حدود العلم هي السماء.
#بلا_حدود