الاحد - 25 يوليو 2021
الاحد - 25 يوليو 2021

فكر بالعربي

تعتمد شركات الاتصالات والعلاقات العامة بشكل أساسي على اللغة الإنجليزية، انطلاقاً من التخطيط الاستراتيجي وتقديم المشروع للعملاء، وانتهاء بكاتبة الأخبار الصحافية والمقابلات، وقلة من الشركات التي تولي اللغة العربية اهتماماً كبيراً على الرغم من أنها لغة المنطقة الأصلية. لقد شجعني أن أكتب هذه الفكرة، كثرة ما قرأت من أخبار لشركات ومقابلات مع متحدثين رسميين في الوسائل الإعلامية العربية المختلفة، وقد هالني حجم الأخطاء ليس الطباعية أو القواعدية فحسب، وإنما تلك التي تهز المبنى والمعنى برُمته. إن الموضوع لا يتعلق أبداً بكتابة الكلمات المنمّقة التي قد تخدع القارئ بجودتها، أو استخدام كلمات عربية ثقيلة على المسمع والفهم والإدراك، بما يوحي بأن الكاتب ينحت في الصخر ليخرج بتحفة أدبية قلّ نظيرها. إن البلاغة في اللغة تعني الإيجاز وإيصال المعنى بأقصر الطرق وأسهل الكلمات بطريقة متسقة ومباشرة من دون مواربة أو مناورة، وأفضل مكان لإظهار هذه المهارة هي في الإخبار، فلا بد أن يكون للخبر الصحافي العربي طريقته الخاصة في الإعلان عن غايته وهدفه، وليس صورة منقولة حرفياً عن النص الأصلي الذي يكون عادة باللغة الإنجليزية، لأن ذلك من شأنه يضيع معنى ورسالة النص الأصلي. فإذا ما قارنت الخبر الصحافي باللغة الإنجليزية مع نظيره العربي تلحظ فيهما تشابهاً كبيراً في البناء، وكل كلمة هنا تجدها مترجمة هناك بأمانة دون النظر إلى المتطلبات اللغوية الخاصة بالعربية والتي تختلف كثيراً عن اللغة الإنجليزية. أنا هنا لست بصدد الحكم على المترجمين، ولا أحمّلهم كامل المسؤولية، على الرغم من أنهم يتحملون جزءاً منها، والجزء الآخر يقع على عاتق شركات العلاقات العامة التي دائماً ما تعلن عن حاجتها لموظفين كل ما عليهم الجلوس طوال اليوم أمام أجهزة الكمبيوتر لترجمة النصوص من الإنجليزية إلى العربية، فماذا ستكون النتيجة برأيكم، غير نصوص جامدة فاقدة للحياة مترجمة بأمانة عن نظيرتها الإنجليزية التي حظي كاتبها بفرصة نقاش العميل عن مضمونها ورسالتها، بينما لم تتح هذه الفرصة أمام الكاتب العربي الذي يخاف من إطلاق العنان لموهبته في الكتابة، لأنه من دون شك سيقع أسيراً للنص الأصلي وعقلية كاتبه بالتفكير، وفي المقابل سيتخلى عن تفكيره بالعربي، بل أكثر من ذلك، فقد يصل به الأمر إلى التجاهل الواضح لعقلية الجمهور المستهدف من القراء العرب وإطارهم الثقافي والقيمي. ليس من الصعوبة في مكان التغلب على هذه المشكلات، بالنظر إلى حجمها ومدى ضررها على مصداقية شركات العلاقات العامة نفسها لجهة تعهدها أمام العملاء بتوفير محتوى عربي عالي الجودة يكون أميناً على رؤيتها ورسالتها. فما عليها، أي شركات العلاقات العامة، سوى بذل المزيد من الاستثمار في المواهب العربية الشابة التي تتقن الكتابة والتفكير بالعربي، وتكون قادرة على خلق هوية عربية ممنهجة لممارسات العلاقات العامة، تنطلق من فهم العلامات التجارية واحتياجاتها ورسالتها بشكل متوازٍ مع النهج الإنجليزي، وليس صورة مترجمة عنه بما يحفظ أيضاً لخبراء المحتوى هامشاً أوسع للكتابة بلغة عربية صحيحة وواضحة. يتوجب على شركات العلاقات العامة التركيز بشكل أساسي على اللغة العربية باعتبارها اللغة الأساسية لمعظم شعوب المنطقة وحكوماتها، والاستثمار في هذا الاتجاه وتوفير التدريب اللازم للمواهب العربية الشابة، الأمر الذي يعكس إيمان هذه الشركات بأهمية الكلمة وقوة المحتوى العربي بمساعدة العملاء على نشر رسالتهم بشكل كامل بحيث يغطي المستهدفين الرئيسين كافة وليس جزءاً منهم. * المدير العام للمحتوى والإعلام العربي في فلايشمان هيلارد
#بلا_حدود