الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

«بيروت إنستيتيوت»: دور أمريكا يتراجع.. والمنطقة تحتاج إلى استراتيجية لردع إيران

اتفق كبار الساسة في المنطقة والعالم على أن التعامل مع إيران يتطلب استراتيجية جديدة رادعة تجاه 3 قضايا رئيسة تمارسها إيران، وهي تطوير سلاحها النووي، التدخل في شؤون دول المنطقة والهيمنة الملاحية.

وأضافوا خلال جلسات قمة بيروت إنستيتيوت التي انطلقت أعمالها في أبوظبي، أمس، أن المشكلة الرئيسة للتفاهم مع إيران والجلوس على طاولة مفاوضات معها هي وجود ازدواجية في السلطة الإيرانية، موضحين أن الدبلوماسية الإيرانية في جانب وما ترتكبه إيران من جرائم في الدول المحيطة في جانب آخر.

ولفتوا إلى أن اليمن والعراق وسوريا ولبنان تئن جميعها من التدخلات الإيرانية في عواصمها، بينما تتفاخر إيران أمام العالم بأنها تتحكم في قرارات 4 عواصم عربية على مرأى ومسمع من العالم دون وجود استراتيجية ردعية واضحة لتلك الانتهاكات.


وتطرقوا ضمن الجلسات إلى تراجع واضح في دور الإدارة الأمريكية بالمنطقة، والتي تخلت عنه بعد موقفها السلبي تجاه الأحداث الأخيرة في شمال سوريا، إذ رأى قادة سياسيون أمريكيون أنهم لو كانوا اليوم في موقع القيادة لطالبوا بالمزيد من التوضيح حول الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين أصر آخرون على أن أمريكا لا يمكنها الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط إلا في حال تحقيق الاستقرار أو باتت لدى الآخرين القدرة على التعامل مع الأحداث، مشددين على أن أمريكا لن تستطيع أن تنسحب كلياً من المنطقة وإن قل دورها مقارنة بالسابق. وثمنوا الدور الروسي في المنطقة، مؤكدين أن روسيا أثبتت أنها شريك فاعل يعتمد عليه يقف مع شركائه وحلفائه.

قوة التسامح

في كلمته خلال اليوم الافتتاحي للقمة، قال الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، لدى إلقائه كلمة الدولة المضيفة «القمة في غاية الأهمية لأنها تركز على خلق الأفكار والتجارب والمعرفة، كما أنها معروفة بنقاشاتها المستنيرة، لا سيما أن بلداننا تواجه التحديات التي تتطلب تعاون المفكرين من أجل حلول ناجعة. وتكرّس القمة كذلك الإيمان بقدرة المفكرين والقادة على التغيير، وهذا أساس في نجاح المجتمعات».

وأضاف «نتطلع إلى أفكاركم الشجاعة كمفكرين وقادة، وقدرتكم على خلق حلول للمشاكل، كما نتطلع إلى آرائكم التي من شأنها أن تحرّك القادة نحو التقدم ونحو مستقبل زاهر»، لافتاً إلى أنه «من خلال التفكير يمكننا أن نحقق مجتمعاً آمناً».

وأكد إيمانه العميق في «قوة التسامح على صياغة المستقبل وحل الكثير من مشاكل العالم، فالتسامح والأخوّة الإنسانية يساعدان على توفير الصحة والتعليم وتحفيز الابتكار وتنمية الاقتصاد وتعزيز الاحترام المتبادل والعمل الجماعي لحل المشاكل البيئية والنزاعات والمشاكل الاجتماعية والالتزامات الإنسانية، وبالتالي الحفاظ على تراثنا وثقافتنا ما يجعلنا نحافظ على الهوية المجتمعية من أجل بناء مستقبل زاهر وتحقيق الكرامة الانسانية للجميع وتطوير مجتمعاتنا المحلية والاقليمية والعالمية».

ودعا الوزير نهيان المشاركين في القمّة إلى «التركيز على مفهوم التسامح كعنصر مهم في الابتكار والشفافية وريادة الأعمال».

من هي إيران؟

وقال الأمير تركي الفيصل عضو مجلس الإدارة في «بيروت إنستيتيوت» الرئيس الشريك للقمة، إن صعوبة التعامل مع إيران تنبع من عدم وجود أساس للتعامل معها كدولة، متسائلاً هل إيران ثورة أم دولة؟ إذ بينما يقول البعض إن الرئيس الإيراني منتخب نراه لا يعبر عن الإرادة لاتخاذ القرار، بينما المرشد وقادة الحرس الثوري غير المنتخبين هم من يمثلون هذه الإرادة، فكيف التواصل معهم؟ خاصة أن المرشد الأعلى يعبر صراحة عن عدائه للمملكة العربية السعودية ودول عدة من المنطقة ويطالب بقلب النظام في السعودية علناً ورئيس الحرس الثوري في إيران يفتخر بأن إيران تسيطر على 4 عواصم عربية!

وأضاف الفيصل: هذه النزعة من العداء والوقاحة كيف تتعامل معها دول الجوار؟

وتابع «أتذكر أن دول مجلس التعاون أرسلت خطاباً لإيران بمقترحات حول كيفية التواصل لنزع فتيل أي خلافات، ولم ترد أي إجابة من إيران.. نحن في حيرة حول من يمثلها، وثانياً إذا كان من يمثل إيران يعلن عداءه لدول المنطقة فكيف يمكن أن نتواصل معه».

وأوضح الفيصل أن التعامل مع إيران يتطلب استراتيجية ردعية جديدة تتكاتف فيها دول العالم جميعاً وليس دول الخليج فقط لأن دول الخليج ليست المتضرر الوحيد من إيران، وتابع «إذا كانت إيران تريد أن تلعب دور بناء في المنطقة فيجب أن تتبع إجراءات وسياسات بناءة، وأن تعتبر المنطقة فيها مصالح مشتركة ولها تاريخ وإرث مشترك».

وأضاف «كيف يمكن الحديث عن تفاهمات مستقبلية مع تعدي إيران على خطوط البحار والناقلات وغيرها من المنشآت البترولية.. على إيران أن تعيد النظر في مثل هذه التصرفات، علينا كلنا أن نسعى لنكون لحمة واحدة ومصلحة واحدة لكن إذا شذ فينا عنصر يجب أن نواجهه من خلال الصراحة وتبيان ما هو صحيح وما هو خطأ، لأنه يجمعنا في المنطقة هذه المصلحة والجغرافيا».

الخيانة الأمريكية

واعتبرت الرئيس الشريك لقمة بيروت إنستيتيوت في أبوظبي المؤسسة والرئيسة التنفيذية راغدة درغام أن سيرة ما وصفته بـ«الخيانة الأمريكية» التي لطالما تحدث عنها عدد كبير من الأطراف في المنطقة العربية يمتد لعدة عقود، مستشهدة بذلك على ما فعلته أمريكا أخيراً مع أكراد سوريا بعدما كانت أعلنت حمايتهم منذ سنوات.

وأضافت «تخلي أمريكا عن شركائها في بعض المناطق من منطقتنا يدعونا إلى أن نبحث في الخيارات المناسبة، وأن نفكر بعلاقتنا البينية، وهنا لا أدعو للتخلي عن العلاقة مع أمريكا لكن من المفيد أن نسمع ماذا لدى الشركاء الآخرين».

وتابعت «روسيا يجب أن تكون في مقدمة تلك الخيارات لا سيما في قضايا مثل مشكلة تركيا وسوريا وإيران وغيرها، وهناك عدد من الدول العربية والخليجية التي بدأت التفكير جدياً بتوسيع العلاقة لتشمل الصين وروسيا بعدما لمسوا بعض التردد الأمريكي بسبب إدارة ترامب».

وأضافت درغام «اهتزت مكانة أمريكا من وجهة نظرنا في المنطقة، لكن في الواقع القوى الأمريكية لا يمكن الاستهتار بها أو التقليل من مكانتها».

وتطرقت إلى سماح أمريكا وأوروبا لتركيا في دخول سوريا، وهذا ما يعرف لدى الأكراد بالخيانة الأمريكية، مضيفة «لم تكن الولايات المتحدة وحدها بل الأوروبيون أيضاً خافوا من التهجير السوري لبلادهم حتى روسيا سمحت للأتراك بدخول سوريا».

وأردفت «يجب أن نراجع مواقفنا في المنطقة لا سيما ماذا فعلنا في العقد الماضي، وماذا علينا أن نفعل في العقد المقبل، يجب أن نفكر أين نجحنا وأين أخفقنا، ويجب أن نستفيد من الدروس الماضية».

جهد دبلوماسي

من جهته، ذكر أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبداللطيف بن راشد الزياني أن التعامل مع إيران يتطلب أولاً تطوير سياسة رادعة أكثر مما هو حاصل والتركيز على الجهد الدبلوماسي للوصول لحل سياسي.

وأضاف «الجهد الدبلوماسي وسياسة الردع لا ترتبط فقط بدول الخليج، بل بالتعاون مع أصدقائنا وحلفائنا، فيجب أن تكون هناك وحدة للجهود لتحقيق الغاية السليمة والحل السلمي الدبلوماسي الذي يحقق اطمئنان العالم تجاه الملف النووي والملف الصاروخي وعدم العبث والتدخل في الشؤون الداخلية».

وشدد الزياني على ضرورة توحيد الجهود الدولية لردع إيران، وأن يكون هناك اتفاق على التهديد والخطر، وتساءل: هل بالفعل الجميع مقتنع بأن السلوك الإيراني يجب ردعه وتحجيمه أم لا؟ إن اتفق الجميع على ذلك، أعتقد أن الجهد الدبلوماسي يصبح موحداً ومركزاً وفاعلاً، والسياسة الردعية تكون فعالة.

وقال «دول التعاون الخليجي كانت صريحة فيما تريده ومدت يد التعاون مع إيران، وما زلت أعتقد أن إيران لديها فرصة في أن تعيد النظر في الملف النووي، وتعيد النظر في تدخلاتها المستمرة بشأن الدول، كما يجب أن تعيد النظر في ترسانتها الصاروخية وبرنامجها الصاروخي».

وأوضح الزياني أن الدول العظمى لها أجندة خاصة من المنطقة، وأمريكا لها دور كبير في الوصول لحل سياسي.

وتابع «الفصل بين القيادتين في إيران أحد معوقات إيجاد تفاهمات مع إيران، لأن هناك قيادتين الأولى يمثلها الرئيس الإيراني، والثانية يمثلها المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني.

توغل «حزب الله»

بدورها، قالت وزيرة الدولة للتنمية الإدارية مي شدياق إن إيران لا تبحث عن فرصة للتعايش مع دول الجوار، بل تعتبر نفسها الآمرة الناهية، حيث تستعمل أدواتها لتصل إلى ما تريده.

وأضافت «استطاعت إيران أن تمد أخطبوطها بعدما انتقلت إلى دول عربية مثل العراق، وسوريا واليمن، حيث يعلم الجميع أن اليد الطولى لإيران والأداة الأقوى لها لا شك هو «حزب الله»، وهو يعمل المستحيل لكل يسيطر على مكونات البلد ضمن اندماجه في السلطة اللبنانية.

وتابعت شدياق «عندما كانت لبنان تحت السطوة السورية في وقت من الأوقات تعفف حزب الله عن السلطة، لكن الآن هم يتمددون داخل الإدارات وداخل الدولة اللبنانية، مضيفة «نعرف أنهم ظاهرياً يعتبرون أنفسهم فريقاً معنا على الطاولة بشأن القرار اللبناني، لكن عندما تتوتر الحالة فإن «حزب الله» يتفرد بالقرار، لأنه تمكن من إيصال فريق قريب منه إلى سدة الرئاسة.

وأردفت «لا أتفهم حتى الآن لماذا لم يرد المجتمع الدولي على استهداف المنشآت النفطية في السعودية؟ علماً بأن المفاوضات مع نظام آية الله من الصعب الوصول فيه لحل سلمي ويجب الوصول إلى سياسة ردع، فلو أننا تركنا إيران على وضعها بالتدخل في شؤون الدول دون رد مباشر فإن المنطقة ستغوص في مشاكل كثيرة مستقبلاً».

نموذج للاستقرار

وقال السفير روبرت بلاكويل زميل أقدم في برنامج هنري كيسنجر في مجلس العلاقات الدولية الخارجية، إن دول مجلس التعاون الخليجي تقدم نموذجاً لاستقرار المنطقة، موضحاً أن أمريكا لا تقود الشرق الأوسط ولا تنسحب منه.

وذكر أنه قلق من أن هذه المنطقة ستسوء أحوالها، وقبل أن تصبح أكثر سوءاً يجب بذل كل جهد ممكن على المستوى الدبلوماسي لتخفيف حدوث صراع.

وأضاف بلاكويل «عندما نتحدث عن إيران فإن اللقاء الأخير بين روحاني وبوتين يدلل على أن روحاني ليس على استعداد للإنصات ولديه توجه معين، وإيران لن تتقبل فكرة أن تكون محصورة في حدودها الجغرافية من حيث الأيديولوجيا، فهي ستسعى دوماً لتزيد من تأثيراتها ونفوذها وتواجه ليس فقط روسيا وأمريكا، بل الدول الأوروبية أيضاً.

تغيير واضح

ورأت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتورة حنان عشرواي أن هناك تغييراً واضحاً في سياسة الإدارة الأمريكية الحالية في المنطقة، إذ تخلت عن دورها القيادي، واصفة أمريكا بشريك لا يرتكن إليه خاصة بعد موقفها السلبي تجاه الأحداث الأخيرة.

وأضافت «الإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب اتخذت كل القرارات بشكل فردي، ودخلت في هجوم مادي وسياسي على المنظمات الدولية، والمؤسسات الأمريكية لم تستطع لجم هذا الانفلات، ما أفقدها مصداقيتها وقاعدتها الفكرية والإقليمية، التي كانت تعتمد عليها في تعاملاتها مع المنطقة»، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت شريكاً مع الاحتلال الإسرائيلي.. فالقدس ليست ملكاً لترامب، بل هي أساس وجوهر الوجود الفلسطيني.

روسيا الشريك الفاعل

إلى ذلك، رأت رئيسة معهد مركز الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو الدكتورة إيرينا زفاجيلسكايا أن الدور الروسي في المنطقة يثمنه الكثيرون، مؤكدة أن روسيا أثبتت أنها شريك فعال يعتمد عليه ويقف مع شركائه وحلفائه، كما أظهرت روسيا القدرة على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الشركاء والمؤسسات، موضحة أن روسيا تحاول تحقيق الاستقرار في سوريا.

أكد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، رئيس معهد كيه كيه آر العالمي، الجنرال ديفيد بترايوس أنه لو كان اليوم في موقع القيادة للقوات الأمريكية في المنطقة لطالب بالمزيد من التوضيح حول الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط، مشدداً على أن السياسة الخارجية لا يؤسس لها الرئيس فحسب، بل تؤثر عدة جهات وقائية وقانونية في صنع القرار، إلا أن للرئيس الأمريكي النصيب الأكبر من صنع القرار.

وعن القضية السورية، تحدث الجنرال عن أن الموقف يختلف عما كان في السابق، وحالياً هناك تساؤلات حول الشراكات والأحلاف التي تدخل فيها أمريكا أو دخلت فيها سابقاً، مبيناً أن بشار الأسد ديكتاتور مسؤول عن موت أكثر من نصف مليون شخص من شعبه، ولا أظن أنه من الاحترام أن يقف أحد بجانبه.

وعن نفوذ أمريكا في المنطقة، أكد الجنرال أن أمريكا لا يمكنها الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط إلا في حال تحقيق الاستقرار أو باتت لدى الآخرين القدرة على التعامل مع تبعيات الأحداث، مشدداً على أن الانسحاب هدف افتراضي عملياً وفي إطار الأمنيات، إذ لا توجد دولة اليوم تستطيع أن تحل محلها وإن كانت الصين لديها قوة في التوسع الاقتصادي، فإن القدرات العسكرية لأمريكا ما زالت في الريادة.

وقال بترايوس «اختبرنا ذلك في العراق أواخر عام 2011 عندما سحبنا قواتنا قبل الأوان.. فاضطررنا لإعادة نشرها لاحقاً.. المعنيون بالسياسة يرون أنه لا يمكن وضع سياسة عالمية واحدة، بل مساقات مختلفة يتم التعامل معها بشيء من المرونة».
#بلا_حدود