الأربعاء - 18 مايو 2022
الأربعاء - 18 مايو 2022

تباين آراء قانونيين حول تجريم إصدار الشيك بدون رصيد

تباين آراء قانونيين حول تجريم إصدار الشيك بدون رصيد
تباينت آراء قانونيين حول عقوبة إصدار الشيكات بدون رصيد، إذ اعتبر عدد منهم أن نزع الصفة الإجرامية عنها سيؤدي إلى غياب الرادع لمحرري هذه الشيكات وضياع الحقوق المالية وشيوع الفوضى في التعاملات المالية الآجلة الدفع، كما سيشجع أصحاب النفوس الضعيفة على تقديم مثل هذه المستندات عند تعاملاتهم المختلفة التجارية والعقارية والشرائية، آمنين العقوبات القانونية، فيما رأى آخرون ضرورة نزع الصفة الإجرامية عن الشيكات المرتجعة والاستعاضة عن عقوبة الحبس بالغرامات المالية بما يسهم في رفع كفاءة العمل القضائي بصورة عامة عبر تسريع الإجراءات المتعلقة بالبت في هذه الدعاوى، ويعطي صاحب الشيك فرصة لتعديل أوضاعه المالية وتوفير المبالغ اللازمة بما يحفظ حقوق الأفراد.

وكانت دراسة لدائرة القضاء في أبوظبي صدرت أخيراً، أوصت بضرورة استصدار تشريعات لنزع الصفة الإجرامية عن الشيك بدون رصيد، في سبيل تحقيق التوجه نحو الاقتصاد الرقمي، إذ تجنح التشريعات المعاصرة إلى خروج الشيك بدون رصيد من تحت طائلة العقاب، والاكتفاء بالآليات القانونية الميسرة لاقتضاء قيمته بالطريق المدني.

وبينت دراسة بعنوان «الحماية الجنائية للشيك بين الإبقاء والإلغاء»، أن التشريعات المعاصرة تجنح إلى نزع الصفة الإجرامية عن الشيك بدون رصيد، لأن بعض المجتمعات استغنت عن هذه الورقة التجارية بالفعل، بحيث لم يعد لها وجود في الاستعمال بين الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة.


في المقابل، أوضحت جهات الاختصاص بالشارقة أن عدد بلاغات الشيكات المرتجعة التي ترِد النيابة العامة تزيد على 15 بلاغاً يومياً يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، وهي تمثل نحو 45% من إجمالي القضايا التي يتم التحقيق فيها.


وتفصيلاً، أكد قانونيون أنه في حال عدم تجريم الشيك بدون رصيد، فعلى المطالبين بحقوقهم اتباع الإجراءات المدنية التي بموجبها تخوّل النيابة العامة إصدار الأمر الجزائي بتوقيع الغرامة المالية فقط بدلاً من إحالتها للمحكمة، دون إدراج أسماء المُبلغ ضدهم في قائمة المطلوبين أمنياً أو عمل أي تعميم عليهم، ما يمكنهم وخصوصاً المقيمين من مغادرة الدولة.

جرائم احتيال

وقال المحامي والمستشار القانوني خالد المازمي إن نزع الصفة الإجرامية من جنحة الشيكات المرتجعة سينتج عنه أضرار من نواحٍ مالية عدة، كونها تصنف ضمن جرائم الاحتيال التي تكون عقوبتها الحبس والغرامة لردع مثل هذه التجاوزات، لاسيما أن هذه السندات أضحت اليوم وسيلة رئيسة في التعاملات التجارية وغيرها، نظراً لأن معظم الأشخاص ليس بإمكانهم حمل مبالغ مالية كبيرة معهم بسبب مخاطر الضياع والسرقة، فيكون التعامل المتاح أمامهم هو إعطاء شيكات ضمان.

وأشار إلى أن عقوبة التجريم للذين يعطون شيكات بدون رصيد تلزمهم الدفع وإعطاء الحقوق المالية لأصحابها لاسيما أن البلاغ المقدم في مركز الشرطة بخصوص الشيكات المرتجعة يعتبر جنائياً، وعليه يتم إبلاغ محرر الشيك بأنه سيتم تحويل البلاغ للنيابة العامة ومن ثم المحكمة، أما في حال غياب الرادع والعقوبة لمرتكبي هذه التجاوزات فستضيع الحقوق خصوصاً أن جميع الشركات الخاصة والجهات الحكومية تعتمد على الشيكات في كافة تعاملاتها.

بلا جدوى

وأوضح المازمي أن إعطاء الشيكات بدون رصيد له شقان: مدني وجنائي، الأول يتعلق بالمطالبة بالحقوق المالية وحصول الطرف المتضرر على تعويض مادي، أما الشق الآخر فيندرج تحته سوء النية بغرض النصب على الآخرين، وهي جريمة يعاقب عليها القانون، مضيفاً: «في حال إلغاء الصفة الإجرامية من هذا الفعل فسيشجع ذلك الجميع على عدم الالتزام وتحمل المسؤولية عند تحرير شيكات بدون رصيد»، لافتاً إلى أهمية تشديد العقوبة على من يعطون شيكات بدون رصيد لغيرهم مقابل الحصول على منفعة، وهم يبطنون النية غير الحسنة المتمثلة في معرفتهم بعدم وجود أرصدة مالية تغطي قيمة هذه الشيكات في حساباتهم البنكية.

وبيّن أنه في حال عدم تجريم هذا السلوك فعلى المطالبين بحقوقهم اتباع الإجراءات المدنية التي تأخذ وقتاً طويلاً دون أي جدوى، بخلاف الإجراءات الجنائية التي تخلق خوفاً ورادعاً لدى محرري هذه الشيكات وتجبرهم على دفع قيمة هذه المستندات.

أداة وفاء

فيما أوضح المحامي والمستشار القانوني راشد الحفيتي أن الشيك ليس ضماناً بقدر ما هو «أداة وفاء» لحفظ الحقوق المالية وتنظيم المعاملات التجارية، ولو تم نزع الصفة الإجرامية عن هذه الشيكات فإن الحقوق المالية ستضيع وستعم الفوضى في التعاملات المالية آجلة الدفع، كما ستسوّل لأصحاب النفوس الضعيفة تقديم مثل هذه المستندات عند تعاملاتهم المختلفة التجارية والعقارية والشرائية آمنين العقوبات القانونية، مشدداً على ضرورة تطبيق طرق سداد مضمونة في حال إلغاء الصفة الإجرامية من الشيكات المرتجعة حفاظاً على الحقوق.

وأشار إلى أن «قيام الشخص بإعطاء شيك بدون رصيد يعتبر جريمة في حال تم إثبات سوء النية لدى محرر الشيك المرتجع وقت إعطائه، والمتمثلة في علمه المسبق بعدم وجود مبلغ مالي كاف لتغطية قيمة الشيك موضع الدعوى، أما في حال تمكن محرر الشيك من إثبات عدم سوء نيته وقت منح هذا المستند لغيره كتعرضه لاحقاً لأمر طارئ وخارج عن إرادته يجعل المبلغ المسجل في الشيك غير متوفر في حسابه عند تاريخ الصرف، أو تعرض حسابه البنكي لسطو أو خلل فني يحول دون حصول حامله على قيمة المبلغ المسجل فيه، وقدّم ما يؤكد أن المبلغ المستحق كان يوجد في الحساب البنكي الخاص به وقت تسجيله له، فسيكون الحكم القضائي هو غرامة مالية وليس الحبس.

توعية المتعاملين

ورأى المحامي سيف الشامسي أن العقوبات الجزائية المقررة في قضايا الشيكات المرتجعة تسهم بشكل فاعل في الحد من هذه الظاهرة التي تؤثر سلباً على الاقتصاد الوطني وتضر بالتعاملات التجارية وتمثل خطورة على سلامة وأمن المجتمع الاقتصادي، موضحاً أن أحكام الإدانة التي تصدر على محرري شيكات بدون أرصدة تهدف لتوعية المتعاملين معهم وحمايتهم من الوقوع ضحايا لمثل هؤلاء الأشخاص.

مغادرة الدولة

وقال المحامي سعود محمد إن نزع الصفة الإجرامية من الشيكات بدون رصيد يخوّل النيابة العامة إصدار الأمر الجزائي بتوقيع الغرامة في هذه القضايا بدلاً من إحالتها إلى المحكمة، إذ يلزم محرر الشيك المرتجع دفع غرامة مالية فقط دون إدراج اسمه في قائمة المطلوبين أمنياً أو عمل أي تعميم عليه، ينتج عنها ضياع الحقوق لاسيما في المعاملات ذات القيم المالية الكبيرة، إذ قد يتمكن هؤلاء الأشخاص وخصوصاً الأجانب والمقيمين من مغادرة الدولة.

وأكد أن تغليظ العقوبة في قضايا الشيكات المرتجعة يسهم في عدم تأخر المدفوعات، كما أنه يعتبر ضماناً لازدهار النشاط التجاري وحماية لحقوق الأشخاص، لاسيما أن العقارات والتمويلات البنكية تسهم بشكل رئيس في دعم قطاع الاقتصاد في الدولة وخلق بيئة مواتية للاستثمار في كافة المشاريع.

تغطية الالتزامات

في المقابل، أيد المحامي محمد المرزوقي نزع الصفة الإجرامية عن الشيكات المرتجعة لاسيما ذات القيم الصغيرة، والصادرة من أفراد لسد أقساط بيوت أو مصوغات ذهبية أو تأسيس مشروع تجاري، مشيراً إلى أن هؤلاء الأفراد لن يستفيد الدائن من دخولهم السجن، بل على العكس ربما يكون في وجودهم خارج السجن فرصة أفضل تساعدهم على توفير المبالغ اللازمة لتغطية التزاماتهم المالية، وفي الوقت ذاته فإن الجهات الأمنية ستظل تسعى لاستعادة حقوق الدائنين، مما يضمن لهم حفظ حقوقهم.

تسريع الإجراءات

ورأى المستشار القانوني هشام مرسي أهمية الاستعاضة عن عقوبة الحبس بالغرامات المالية في قضايا الشيكات المرتجعة بما يسهم في رفع كفاءة العمل القضائي بصورة عامة عبر تسريع الإجراءات المتعلقة بالبت في هذه الدعاوى، بحيث تكون النيابة العامة سلطة إصدار الأمر الجزائي بتوقيع الغرامة والمخالفات بدلاً من إحالتها إلى المحكمة وتالياً تستمر مداولتها لأشهر متواصلة، موضحاً أن فرض العقوبات المدنية على قضايا الشيكات المرتجعة والتعامل معها باعتبارها دَيناً مدنياً يوفر الكثير من الأعباء على الجهات المعنية.