الأربعاء - 29 مايو 2024
الأربعاء - 29 مايو 2024

زايد منارة للإشعاع الثقافي

عرف العالم المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، رمزاً عالمياً وقامة استثنائية في الثقافة العربية والعالمية. وشهد الجميع بغيرته على هويته العربية الإسلامية، وتمسكه بقيم الآباء والأجداد، وحرصه على الاستفادة من تجارب الأمم التي حققت نهضة علمية وثقافية متقدمة، وعمل جاهداً على نقلها وتسخيرها لخدمة المواطنين، محققاً معدلات عالية من التنمية والرفاهية والثقافة لشعبه وأبناء أمته. وتبنى الشيخ زايد عبر فلسفته القيادية ومشروعه التنموي، نهج التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وسعى إلى مساعدة الشعوب الأخرى واحترام ثقافاتها، فبادلوه احتراماً باحترام وحباً بحب، حتى أصبح منارة للإشعاع الثقافي والحضاري حول العالم، ونجح في جعل قيم التراث المحلي والعربي والإسلامي بوابة للرقي والتحضر، ومدخلاً للقلوب المحبة للسلام والعدل والمساواة. وأوضح الباحث الثقافي نجيب عبدالله الشامسي، أن الشيخ زايد أكد فكرة دائماً أن العقل لا يزدهر إلا بمقدار ازدهار الثقافة التي ينشأ عليها، فهي رحم العقل وهي قالب العواطف وموجه السلوك. وقال إن «الوالد المؤسس أدرك أهمية ترميم العلاقة بين الثقافة والإنسان، لوضع التنمية في مسارها الصحيح بعد الفهم الجيد لدور الإنسان وواجباته وحقوقه، ودرايته بالمستجدات والمتغيرات والتطورات العالمية، واستحقاقات القرن الحالي وتحدياته». وتحدث عن أهمية دور الموروث الشعبي باعتباره حجر أساس في وضعية الثقافة، ورافداً مهماً وحيوياً للمعرفة التي يحتاجها الإنسان لمواجهة متغيرات العصر، فضلاً عن أنه يعد جزءاً أصيلاً في بناء شخصية الإنسان ويجسد هويته الوطنية، ويولد لديه الشعور بالانتماء والولاء للوطن. وحول قناعات زايد ونظرته للموروث الشعبي في الإمارات، قال الشامسي إن «إيمان الشيخ زايد بأهمية الثقافة في بناء الإنسان والمجتمع وتطوره، ينطلق من قاعدة من ليس له ماضٍ ليس له حاضر أو مستقبل»، مشيراً إلى أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، آمن بأن رقي الأمم لا يقاس بثرواتها المادية وإنما بأصالتها الحضارية، لهذا كرّس جزءاً من جهده ووقته الثمين لبناء مؤسسات ثقافية وحضارية، تعنى بثقافة المجتمع وهويته، وتؤكد الجذور الحضارية والإنسانية لمجتمع الإمارات، فانتشرت المراكز والمؤسسات الثقافية في مختلف مدن الدولة وحواضرها والمكتبات العامة والجمعيات والأندية الثقافية. وأكد أن الشيخ زايد عاشق للتراث، ومؤمن بأن الموروث الشعبي جزء أساسي من ثقافة المجتمع، ويجب إحياء عناصره لتعريف جيل اليوم بثقافة الأجداد، وتعزيز الولاء والانتماء، وتأسيس مجتمع يملك عناصر التحضر وبذور التطور والتجديد الحقيقية. وتحدث الباحث نجيب الشامسي عن اهتمام الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بالإنسان الإماراتي والعربي، من منطلق أن الإنسان محور التنمية وأساسها وهدفها، وبناءه ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت. وأضاف أن فلسفة الشيخ زايد في بناء الإنسان لم تقتصر على البعد المادي، وإنما تناولت البعدين الثقافي والعلمي، إذ أكد أننا في سباق مع الزمن، ويجب أن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم والمعرفة أسرع من خطانا في أي مجال مهما عز شأنه. ورأى الباحث الثقافي الشامسي أن أسباب اهتمام الشيخ زايد الكبير بالموروث الشعبي، تتلخص في أنه يشكل مفصلاً أساسياً في الثقافة العامة في الإمارات، ورافداً رئيساً للحياة الثقافية، ووجه، رحمه الله، مختلف مؤسسات الدولة بضرورة الاهتمام بالموروث الشعبي، باعتباره رصيداً ثقافياً وروح الشعب، وجاءت مقولته في هذا الإطار «التراث يمثل روح الشعوب وحكمتها وإبداعاتها المختلفة، والأمم تقاس بما لديها من تراث، وأمة بلا تراث هي أمة بلا أرض أو شاطئ تحاول اللجوء إليه من بحر الضياع». وأشار إلى أن التفكير في ماضي الأجداد وتراثهم العريق وحكمتهم الثاقبة ثم التفكير في الحاضر وآماله والمستقبل وتطلعاته، إنما سيقودنا إلى بناء وطن متقدم ومزدهر ويشهد نهضة حقيقية. أما فيما يتعلق بالأسباب التي دفعت الشيخ زايد لكي يراهن على التراث والموروث، فأفاد نجيب الشامسي، بأن الثقافة الإماراتية تتميز بالأصالة العريقة، ونتيجة تمازج التراث الإماراتي مع الخليجي والعربي والإسلامي والعالمي، أعطاها لمسة عالمية تتخللها الحداثة المعاصرة لتكون جزءاً من العالم تتأثر به وتؤثر فيه، مبيناً أن تجربة التحديث الإماراتية جمعت بين الأصالة والحداثة. وأكد الباحث نجيب الشامسي أن الموروث الشعبي عند الشيخ زايد يجسد نظاماً حياتياً متكاملاً، ومنهجاً تربوياً وإبداعياً أسهم في وجود أجيال متعاقبة من المجتمع قادرة على الإبداع والابتكار والتفكير، مشيراً إلى أن منهج الوالد المؤسس مكن الإنسان الإماراتي من التعامل مع مفردات الحياة وتطورها بشكل حضاري، وبفضله تشكلت ملحمة إبداعية حققت إبداعاً أدبياً توارثته الأجيال المتعاقبة، وشكلت مصدراً للثقافة ومعيناً للإبداع. ولفت الشامسي إلى صور اهتمام زايد بالموروث الشعبي الإماراتي، منها تنظيم المهرجانات الشعبية المعنية بالثقافة والتراث، وتوجيهه بإنشاء جمعيات شعبية تعنى بقضايا التراث في مختلف إمارات الدولة، لتعكس مختلف البيئات المكونة للمجتمع، ودعمه لإنشاء نادٍ لتراث الإمارات لتعزيز قيم التراث وصوره. كما أنشأ المغفور له بإذن الله «مركز زايد لطب الأعشاب والبحوث» بجوار مستشفى المفرق. فيما يتعلق بالزاوية الجغرافية وأبعاد تطبيق فلسفته، رحمه الله، على أرض الواقع، أوضح الباحث الثقافي نجيب الشامسي، أن الوالد المؤسس أسس نهجاً متفرداً في العمل الثقافي والحضاري تخطى حدود الوطن، وكانت انطلاقته عبر المدرسة التي هي نواة مرحلة التأسيس، فانتشرت المدارس في مختلف أنحاء الدولة، ثم كانت الجامعات والكليات التي هي مصانع الأجيال. وتابع الشامسي «في مرحلة أخرى كان اهتمام الشيخ زايد بالمؤسسات الثقافية، بما فيها المعنية بالموروث الشعبي المادي والفكري، ومراكز الوعي الثقافي في مختلف إمارات الدولة وحواضرها، ولم يقتصر اهتمامه بالمدن وإنما اهتم كثيراً بالقرى والمناطق النائية، باعتبار التعليم والمعرفة والثقافة حقاً دستورياً لكل مواطن بلا استثناء أو تمييز». واهتم الوالد المؤسس بالأدب الشعبي، خصوصاً الشعر النبطي ومساهمته الواضحة في إثراء الساحة الثقافية بقصائد الشعر النبطي، ومحافظته على مفردات الكلمة الشعبية، وتم تلحين وغناء الكثير من قصائده. ومن الصور الأخرى تزيين كورنيش أبوظبي برموز ونماذج مستوحاة من التراث، لتكون شاهدة على عصر الثقافة الشعبية في الإمارات، ولتعريف جيل اليوم والمقيمين والزائرين برموز ثقافية وحضارية، فضلاً عن دعمه السخي للرياضات التراثية البحرية والبرية، إذ كان يرصد جوائز مالية وعينية لسباقات الهجن الأصيلة، ووجه بتنظيمها على مستوى الدولة، وكان يحضر الكثير منها. وذكر الباحث نجيب الشامسي أن الشيخ زايد يبقى ضمير الأمة ونصير الثقافة، وطموحه لا يحده الأفق، إذ راهن على قوة حضور الموروث الشعبي الإماراتي وقبوله من الآخرين، لأنه يشتمل على مختلف أشكال الإبداع الإنساني، وضم مختلف السمات الفكرية والعاطفية التي تميزه عن باقي المجتمعات. ويأتي اهتمام الإمارات اليوم الملحوظ بتراثها وتاريخها ليصب في إطار ذات الرؤية التي وصف عبرها الشيخ زايد، رحمه الله، المجتمع الإماراتي بقدرته على «أن يعيش اليوم متغيرات عصره، إلا أنه لم يفرط في هويته وتراثه، بل استطاع أن يجمع بين الطيب في تقاليده والطيب من واقع حاضره، والحمد لله فنسيج البناء العصري في الإمارات تترابط فيه التقاليد مع التحديث بمتانة ووفاق».