السبت - 12 يونيو 2021
السبت - 12 يونيو 2021

جنون المستديرة

لم تترك الأمثال والحكم شيئاً إلا تناولته أحياناً بنقد لاذع، وأحياناً أخرى بسخرية مبكية مضحكة، وثالثة بتهكم، حتى أصبحت الأمثال أرشيفاً إنسانياً يوثق الحالات ويصف الأحداث، وتندرج على ألسنة الناس قرناً وراء قرن، وتصبح مادة للتندُّر، والتعبير عن أمر لا تستطيع أن تبوح به أو أن تفصح عنه بشكل واضح ومباشر. وحالنا الرياضي على خلفية كأس العالم في روسيا ينطبق عليه المثل العربي القديم الذي يقول «صلعاء وتتفاخر بشعر جارتها». بمعنى أننا افتقدنا مصدر الفخر في المجال الكروي، فلم نجد أمامنا إلا التعصب لفريق أوروبي، أو لاتيني، أو أمريكي جنوبي، وغيرها من الفرق التي حجزت لها مقعداً في التصفيات المتقدمة. في عالم الرياضة ليس من المعيب أن تشجع فريقاً ما حتى وإن لم يكن فريق وطنك وبلدك، أو أن تضع صورة نجم كروي كبير كميسي ورونالدو ومارادونا، فهذا حق للجميع، ولكن أن يصل أمر التشجيع والإعجاب إلى غرام وانتقام، يصل إلى حد القتل وإزهاق النفوس من أجل خروج فريق أوروبي منافسات الكأس، فهذه هي الطامة الكبرى وأم المصائب، وعجيبة العجائب. ولمن لم يقرأ الخبر المفجع الذي نقلته وكالات الأنباء عن قيام بعض الشباب بطعن شاب لبناني حتى الموت لأنه فرح لخروج فريق أوروبي من المنافسات الكروية العالمية، فإن هذا حدث بالفعل في لبنان، ويحدث في كثير من البلدان. وإذا تطوعت إحدى دور الإحصاء والبحث للقيام باستبيان وإحصاء لعدد الحالات المؤلمة التي تمخضت عن منافسات كأس العالم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فستجد أن مئات الزوجات طُلقن من أزواجهن، ومئات الأزواج فتحت رؤسهم من زوجاتهم، ومئات الأطفال أصيبوا بالاكتئاب، وأن هناك عصابات تشكلت تحت عنوان مناصري ذاك الفريق أو هذا، وأن دولاً تقاربت مع دول، وأخرى تباغضت مع دول، حتى تغير وجه العالم مع كل دحرجة لكرة القدم في ملاعب المونديال. صحيح أن عالمنا مكور، لكن المصيبة أن تتحول عقولنا إلى كرة تتقاذفها العصبيات المرفوضة. [email protected]
#بلا_حدود