الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

دقائق تصنع الفارق

نتفق على أهمية الدقائق في تشكيل الحقائق، فلا يجب أن تسقط سهواً، أو يُغفل عنها طرفة عين، وللأهمية فقط نشير إليها حتى تستديم الجمعيات فلا تخرب، خصوصاً تلك التي تبنت منظومات علمية ومعرفية فريدة، ولكن قبل البدء يعرف الكاتب الجمعية بأنها عملية الانصياع والطاعة لأمر كريم وشريف، بقصد تحقيق أهداف شريفة. ولكن أن تبتغي هذه الجمعيات أكثر من ذلك، كأن تستمد الشرعيات أو بعضاً من الحقوق دون تبيين أو الاستناد إلى أسس متينة، فهنا ينبغي إمعان النظر، فما بين تحقيق المسؤوليات والتمتع بالمزايا تتخفى الدقائق وتستتر وتتربص، ولا أسوأ من أن ينبري لها الهواة، فأولئك يفتقدون التأني والروية، فـ «يتسلطون على» بدلاً من أن «يخدموا» .. وتؤكد التجربة أن منتدبي التغيير هم أقرب إلى الهواية من غيرهم، وكم نأسف على من لهث خلف التيار، فانجرف إلى المهاوي السحيقة، ذلك لانعدام الخبرة أولاً ولعدم وضوح الرؤية ثانياً، أو كليهما أو أحدهما ثالثاً. ونتعلم من ذلك مجتمِعاً أنه هناك من لايزال يعيش حقبة البناء الهندسي، على الرغم من دخول العالم حقبة الاستقامة الهندسية، وتصرفهم هذا يعرفه علماء الإنسانيات بالتعايش، وللتعايش عواقب محذورة في العالم الحديث، أهمها: التخلف أو الارتباك، فالأول يورث التأخير، والتالي يورث الشك، وبل يعدان من العوامل الحاسمة لانهيار أي منظومة، فغالباً ما يناقضان المتغيرات والتغيرات، ويحاربان التوجهات المتجددة، فضلاً عن أنهما من أهم سمات تفضيل القديم والمتهالك والجامد من المناهج. ولاتزال بعض الجمعيات تتشكل من مجموعة من المتحمسين، أولاء يتلذذون بالعمل دون توافر منهج متبلور وواضح، فعلى الرغم من أدوارها ذات الطابع الوسيط، تجدها تمارس أدوارها وكأنها بلا إدارة حقيقية، أو بلا رأس إن جاز لي التعبير، وأيضاً تجد أنها تحيد وتشطح فتبدأ بإملاء الأوامر العنيفة وبقسوة، وهي التي تأسست لكي تنفذ الأوامر وتقرب ما بين البين، وتلك هي المرحلة التي تحتاج فيها إلى رؤية متأنية إلى أسفل القدم، وتلك هي الخبرة المفقودة لدى بعض هذه الجمعيات، والتي تسقط عنصر التطوعية إذا تبزغ الشمس كناية عن النجاح، وتتغشى بها إذا ستغرب كناية عن الفشل، وذلك هو ديدن البعض. ولا شك في أن الخبرة عامل حاسم في وضوح الرؤية، ومن دون رؤية الجميع غريقاً، قائداً ومقودين، ولا ضير إن قلنا بحاجة بعضهم إلى مزيد من الوقت كي ينضج خبرة، وإلى مزيد من التفكر والتأمل فينضج قدرة، ولكن الأهم من هذه وهذه يكمن في استثمار الوقت وفي فهم مكنونات وتوجهات الواقع الحالي، ويكون ذلك أولاً بتجنب الإحلال والتحليل، فالأولى رياضياتية والثانية تكفير عنها، إذ إنها مبنية على سياسة واهية أثبتت فشلها في القديم والحديث، وهي سياسة الحصد والرصد، فعلى الرغم من كونها من أهم مفاهيم الجودة إلا أنها أسهمت في تصدير حلول غير عملية، وقدمت المعلومات الجامدة، فألغت العقل وأشاعت الكسل، فلم تراعِ العدل عند القياس وألغت بواعث الشفاعة، وإن الاستناد إلى هذه السياسة فقط كمن يؤرخ التاريخ بعد وقوعه بألف سنة، فأنى له جمع الأحداث وقد هلك الشهود إلا أن يتبع الظن والخروص. وثانياً إن تفهم الدروس المستفادة من الحقبة الفائتة، ولن يتحقق ذلك إلا بالتخلي عن المنظور المقاولاتي عند شرعنة الذات حتى لا يعد هذا استخفافاً بالعقول، أو عند فرعنة المجموعة حتى لا يعد هذا استبداداً، وأخيراً ترك أطر الرياضيات والجبر، لعدم تناسبها واحترام الموروث ورواده، ومن أجل العمل مع المنافسين لا الاصطدام بهم. إن حقبة الاستقامة الهندسية محمودة، لأنها تحث على دفع عجلة القيم وليس غيرها، لا أقول القيم الحسابية فهذه أرقام، بل لا قيم حقيقية أصلاً في شتى علوم الرياضيات والجبر عدا كونها رموزاً تُعطى من قبل فاقديها، ولكن نقول قيم بشرية كالقدرة والتمكين، وقطعاً يفهمها عملياً من يسرت له ونجب، ومن تابع ووُجد، وباختصار هي حقبة تورث الارتباك لكثرة المعلومات، ليس لتناقضها، ولكن لقلة تمحيصها، وتلك تحتاج إلى قلب عليل بالتحليل. فألف شكر لتلك السيول الجارفة من الأبحاث العلمية وتلك الاختراقات العبقرية، فقد أسهمت في بيان مكنونات هذه الحقبة، وأشارت إلى ما سيناسبها من أدوات ثبتت جدواها بالخبرة والدليل في عمليات التحويل والإحلال، تحويل التوقعات إلى واقع، وتحويل الوقائع إلى تواقيع وإنجازات.
#بلا_حدود