الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

دروس وعبر من رحلة الإسراء والمعراج

ما الدلالات التي نستنتجها من رحلة الإسراء والمعراج؟ ما الدروس التي تنعكس على إيمان المؤمن وتزيده ثقة بالله تعالى؟ وما أهم العبر التي نأخذها من رحلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذه؟ الدرس الأول: كل محنة وراءها منحة: فكل محنة وشدة وراءها منحة وعطاء وتكريم من الله، فبعد هذه المحن والشدائد والصعوبات والإيذاء الذي تعرض له النبي- صلى الله عليه وسلم- في الفترة الزمنية التي سبقت الإسراء والمعراج جاءت رحلة التكريم ورحلة الإعجاز الإلهي العظيم لتثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكي يزداد إيماناً ويقيناً بما يدعو إليه من رسالة ربنا، إذاً بعد كل محنة منحة وعطاء من الله. وقد تعرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمحن عظيمة وشديدة، فهذه قريش قد سدت كل الطرق في وجه الدعوة إلى الله في مكة المكرمة وفي ثقيف وفي سائر القبائل العربية، وأحكمت الحصار ضد الدعوة الإسلامية. إذاً آن الأوان للمنحة الربانية والعطاء الإلهي بلا حدود، فجاءت رحلة الإسراء والمعراج على موعد من رب العالمين، وهذه نعمة عظيمة ومنحة كريمة ما وراءها منحة، وهذا درس عظيم لكل مسلم يتعرض لشدة أو تصيبه محنة أو كرب، فإذا صبر وتحمل الشدائد فلا شك أن الله سيكرمه بالعطاءات الإلهية. الدرس الثاني: الأمر الآخر يتبين لنا من خلال الزمن الذي كان يعيشه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو أنه كان يتهيأ للهجرة ولإقامة عاصمة للدولة الإسلامية هناك في المدينة، فبعد أن ضاقت عليه مكة بما رحبت نتيجة عدوان أهلها وطغيانهم، ثم ما تعرض له في ثقيف والطائف، آن الأوان لكي يبحث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن المكان الأكثر أماناً واستقراراً للدعوة الإسلامية، فلا بد من الانتقال إذاً إلى المدينة المنورة. وإقامة الدولة تحتاج قواعد متينة وأساسات عظيمة، وإلى بنيان راسخ يخلو من المنافقين ويخلو من المترددين ومن تزعزع إيمانه، فهذه المرحلة التي يمر بها النبي- صلى الله عليه وسلم- تحتاج أن تكون مرحلة قوية، لذلك اختبر الله سبحانه وتعالى إيمان المؤمنين وبرز بعد هذه الحادثة المنافقون من المؤمنين. ثبت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هذه المرحلة المؤمنون الصادقون، وابتعد عنه المتزعزعون في عقيدتهم الذين كانوا مترددين لا إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، حالة النفاق هذه تخلص منها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هذه المرحلة الضرورية، فبرز المنافقون وظهروا على حقيقتهم. إذاً كانت فرصة قوية للمؤمنين كي يترسخ الإيمان في قلوبهم أمام هذه المعجزة العظيمة، كما أنها كانت فرصة ليكشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من كان منهم منافقاً ومن كان إيمانه ضعيفاً. الدرس الثالث: تبدو شجاعة النبي- صلى الله عليه وسلم- واضحة في مواجهة المشركين بأمر تنكره عقولهم ولا تدركه تصوراتهم، ولم يمنع رسول الله من الجهر بما يعتقد به الخوف من مواجهتهم أو نكرانهم أو استهزائهم به، فضرب بذلك أروع الأمثلة لأمته في الجهر بالحق أمام أهل الباطل، وإن تجمعوا ضد الحق وأهله وجندوا من أجل ذلك كل شياطينهم وكل وسائلهم. وكان من حكمة النبي- صلى الله عليه وسلم- في إقامة حجته على المشركين أن حدثهم عن إسرائه إلى بيت المقدس وأبدى لهم الدلالات والعلامات التي كحجة قطعية، فأعطاهم أدلة بالأرقام، ولغة الأرقام لا تزال إلى اليوم اللغة الأكثر دخولاً إلى العقل، والدعوة الإسلامية منذ عصورها الأولى إلى اليوم تعتمد لغة الحجة والبرهان والدليل، لغة التوثيق ولغة الإحصاءات، الإحصاءات بالأرقام كما فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حينما أخبرهم فوصف لهم بيتاً. ونحن نستفيد من ذلك درساً عظيماً، وهو أننا حينما نكون أصحاب حق في قضية من القضايا، فعلينا أن نتحدث بحقنا بقوة كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إن لصاحب الحق مقالاً». الدرس الرابع: لقد ظهر إيمان سيدنا أبي بكر الصديق واضحاً وجلياً أمام هذا الحادث الجلل العظيم عندما أخبره المشركون، فقال لهم بلسان الواثق المؤمن: «لئن كان قال ذلك فلقد صدق». هذا يدل دلالة واضحة على أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أيده بأمثال الصديق برجال كثر صدقوا به وآمنوا به ولم يكذبوه، فظهر بقوة إيمانهم كذب الكاذبين ونفاق المنافقين. وهنا نستفيد درساً عظيماً هو أن المحن والشدائد تكشف الصديق الصادق الصدوق كما قالوا في الحكمة: «إن الصديق من صَدَقَك، وليس من صَدَّقك»، فهناك من الناس من يصدق على كذب أو غير الواقع، ليكسب بذلك منزلة أو شهرة أو مكانة أو مالاً. لكن الصديق الحقيقي هو من يصدقك في كل أمورك، فإذا رأى منك خطأ نقل لك هذا الخطأ وقال لك: تنبه يا أخي فلان فقد وقع منك خلل أو زلل أو علة.
#بلا_حدود