الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

طفولة .. ولكن

العودة إلى الطفولة كان حلم الكثير .. خصوصاً أولئك الذين تقطعت بهم السبل وضاقت بهم الدنيا بهمومها ومشاكلها .. بمبادئها المقلوبة، بنظرياتها المشوهة، بحقوقها المسلوبة، كم تمنوا أن يعودوا أطفالاً .. لا ليمارسوا أدوار الحياة من جديد، ولكن الطفولة بين قوسين كانت رمزاً لأسمى معاني الإنسانية، هي البراءة والنقاء في أبهى صورها، هي ربيع العمر وعطر الياسمين، بعيداً عن أشكال الحقد وأصناف الكراهية، أجساد خالية من النفاق من الكذب. كم من دمية عالقة في ذاكرتنا! كم من حارة لا تريد أن تغادرها! كم من وطن عالق هناك أيضاً! من أفقده طفولته؟ من قضى على أحلامه؟ خطوط حمراء كانت الطفولة آنذاك، لا تعبث بها حماقة ولا قباحة تصرفاتنا .. الطفولة كانت الملجأ الوحيد المغلف بالزهور، شريط ذاكرة تكسوه ضحكات ممزوجة بموسيقى هادئة نلجأ إليه عند الحاجة، لا شوارع مليئة بالجثث، لا صحراء قاحلة، لا خيمة لجوء في جهنم .. ماذا سيتذكرون؟ الآن بربكم من يتمنى أن يعود طفلاً؟ بالطبع لست أنا .. حروب قاسية وأيام مظلمة لا تحمل في أحشائها سوى الحزن والأسى والحرمان، ساعات ملؤها الأنين لا يمحوها الزمن، صراخ طفل بين الأنقاض، وآخر يتوسل إليهم أن يقتلوه بالرصاص، وذاك يصرخ مضرجاً بالدماء يعانق جثة أمه لا يريدها أن ترحل وتترك طفولته هناك. بربكم ماذا نقول؟ أطفال لم تعد قمة أحلامهم حارة وألعاب وبقايا حديقة، أو شهادة تفوق من مدرسة ريفية، ولا حتى شهادة حسن سيرة وسلوك من رجولة تعلن انتصارها على طفولتهم. مئات الأسئلة تولد في ذاكرتي وذاكرتهم أيضاً، كم يلزمهم ليعودوا أسوياء؟ كم يلزمهم من الصبر كي ينسوا أهوال المصائب وأصوات المدافع؟ كم يلزمهم كي ينسوا بيوتهم التي تهدمت وألعابهم التي احترقت وحارتهم التي باتت رماداً؟ كم يلزمهم من الإيمان كي ينسوا ويسامحوا من خانهم وذبحهم بالسكاكين؟ كم يلزمهم من الوقت كي يتناسوا كل من تاجر بدمائهم؟ كم يلزمني من العمر كي أعود طفلاً بلا ألم؟ مئات الأجوبة تجهض وتموت في طريقها إليّ وإليهم!
#بلا_حدود