الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

أشياء بسيطة .. تسعدنا

منذ أشهر، وأنا أبحث عن رواية لمؤلف إنجليزي شهير، سألت عنها في نحو خمس أو ست مكتبات كبرى ولم أجدها. بعض هذه المكتبات كانت بعيدة جداً عني، ومع ذلك تكبدت مشقة الذهاب خصيصاً إليها لعلي أجد ما أبحث عنه. في كل مرة كنت أواجه رداً من اثنين: نفدت أو غير موجودة! إلى أن توجهت نهاية الأسبوع الماضي إلى مركز تجاري صغير في دبي لم أدخله مسبقاً، باحثاً عن محل للملابس الرياضية. وأنا أغادر المركز من مدخل آخر، تعثرت قدماي بمكتبة كبيرة، شاهدتها مراراً من الشارع، ولكني لم أفكر بالبحث فيها عن الرواية المفقودة! دخلت المكتبة مستفسراً عن جديد الكتب، فجأة وجدت نسخة وحيدة من الرواية التي أبحث عنها منذ ستة أشهر! خطفتها على الفور وأنا سعيد بها، ونمت ليلتها وكأني امتلكت كنزاً ثميناً! كم مرة تتكرر مثل هذه المواقف في حياتنا، حين نبحث عن أشياء نريدها: عمل نرغب فيه أو وظيفة نسعى إليها. زوج أو زوجة نحلم بأن نتشاطر معه أو معها الحياة بحلوها ومرها، فرحها وحزنها. طفل أو طفلة يعزز من أواصر الحب والسعادة التي تكلل حياتنا الزوجية. شيء نريد أن نتملكه ليجعل معيشتنا أسهل: بيت أو سيارة أو مال. تمضي الأيام سريعاً، ويصيبنا اليأس من العثور على ما نتمناه أو نحلم به، لدرجة أننا نفقد الأمل باحتمالية وجوده أصلاً. فجأة نجده أمامنا، يأتي إلينا في زمان لا ننتظره ومكان لا نتوقعه. عندها، نتشبث به ولا نفارقه ونتمنى لو أننا عثرنا عليه منذ وقت طويل، لأنه يمنحنا سعادة غامرة، حتى ولو كانت أحياناً وقتية أو قصيرة، المهم أن نشعر بالفرح في قلوبنا. قبل سنوات، سمعت عن رجل ثري يمتلك أبراجاً شاهقة ومشاريع تجارية بمئات الملايين، ودخله اليومي يعادل الدخل السنوي لعشرات الأفراد. قال لي من يعرفه إن الحزن والألم أمران لا يفارقانه رغم كل ما لديه من مال وممتلكات، وما يقدر على الحصول عليه من متع الحياة وكمالياتها، لكنه مفجوع القلب دامع العينين تكاد لا ترى الابتسامة تظهر على محياه إلا مجاملة. ولما استفسرت عن السبب، قال لي صديقي إن حياة ذلك الرجل كلها معلقة بولديه اللذين قدر الله لهما أن يصابا بإعاقة لا علاج لها، فأصبحت محنتهما سبب هذا الحزن الذي أصاب الأب والأم على السواء. وفاجأني حين أخبرني، بأنه مستعد للتنازل عن كل ما يملك في سبيل شفاء ولديه، حتى لو عاد به الزمن موظفاً بسيطاً كما كان قبل ثلاثين عاماً. في روايته الجميلة «مُحال» يستهل الأديب المصري يوسف زيدان صفحاته بعبارات حكيمة يقول فيها: «الحياة تحيّرنا. تبهرنا بالبراق من ألوانها، كي نرتاد دروبها فرحاً وغفلة، ثم تفجؤنا في الحنايا الصوادم؟ أم تراها تحتال علينا، بأن تمنحنا أحياناً ما يحاذي أحلامنا، وقد يفوق، فنسرف في الطمأنينة ونختال بين الخيالات؟ .. من يدري؟ لعل الحياة لا تكترث بنا أصلاً، فنلاحقها نحن بصنوف الحيل حتي يغمرنا التعلق بالتمني والتقلب في الترقب والأمل في اهتبال النوال. عسانا أن ننسى مع مر السنين، أننا في خاتمة التطواف مسلوبون لا محالة، ومحجوبون». أليست حياتنا محيرة حقاً حين لا نتمنى منها سوى أشياء صغيرة تسعدنا. أمنياتنا وأحلامنا تبدو بسيطة جداً في بحر الحياة الواسع وعنفوانها الذي لا يتوقف، ولحظات سعادتنا قد تكون أطول مما نتصور إن أردنا الاحتفاء بدقائقها الصغيرة. منا من يجد سعادته في كتب يقرأها، حتى إذا فرغ من أحدها انتقل إلى الآخر شاكراً الله على نعمة العقل الذي يتدبر الكلمات والعينين اللتين تقرآنها! وبعضنا يرى سعادته في كأس شاي أو فنجان قهوة يرتشف منه القليل وهو في ذروة ضغط العمل فيشعر بلحظة تقدير للذات على بساطتها وسهولة صنعها. وقد يجد أحدنا أسعد لحظاته حين تغفو عيناه على وسادة بيضاء لم يدنسها عقله بإساءة إلى أحد، فينام قرير العين مسروراً مطمنئاً. أو ربما كانت السعادة في ابتسامات نوزعها على كل من نراهم في دروب أيامنا فنرى انعكاساتها في لحظات فرح تزين وجوه الآخرين، فيصبح للحياة معنى وطعم ورائحة.
#بلا_حدود