الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

خراب مالطة

كثيراً ما كنت أستمع إلى هذه العبارة التي ما لبثت إلا أن أصبحت مقولة دارجة استخدمها كل ما فات عليه الفوت ولم ينفع به الصوت. نابليون بونابرت هو أعظم دكتاتور عرفته البشرية متبعاً في سياسته المبدأ الميكافللي الشهير بـ (الغاية تبرر الوسيلة)، إلا أن لكل عظيم من هو أعظم منه، قد أقارن هنا بين شيء ملموس وآخر محسوس .. ولكن الأعظم من نابليون نفسه هو الظلم والأدهى منه أن يقوم الإنسان بظلم نفسه. عندما يأتي الظلم من أقرب الناس إليك، تسود الدنيا في وجهك معلنة عصيانها عليك، آمرة كل الوجود بما فيهم عقلك وقلبك بالفرار منك لا إليك. رأيت بعينها الخوف والضجر والقلق خوفاً من أن يتوقف حلمها، علماً بأن مستقبلها باهر، وشعرت بأنها بدأت بفقدان دمها كتحفة خلفها الزمن للغبار ليحل ضيفاً ثقيلاً عليها. لم تكن مشكلتها سوى كلمة اعتصرت في حنجرتها وغصت بها تلك العضلة خلف ضلعها الأيسر لتنطلق من مجرى عينيها تشق طريقاً لا نهاية له عن طريق خديها. هنا بدأت قصة الفستان الأبيض المطرز بالاشمئزاز والرفض .. المحاك بحرفية بكل معاني الأسى والخذلان، طرحتها التي تتوج رأسها المتنكس للأسفل لإخفاء جدول دموعها المنهمر ومسكتها التي تبدلت من الورود إلى شوك وبعض من شجر الزقوم. قد أبالغ في وصفي، ولكن هذا أقل مما يجب .. صغر سنها لم يعطها الحق في التلفظ بكلمة تعتبر من أسهل الكلمات وأصعبها نطقاً، فإذا ما همت بقولها كأن الدنيا وقفت بينها وبين قبرها، فتستهل الرفض بالدموع لا بالقول. تأتي جلياً في هذه المواقف صورٌ متتابعة الواحدة تلو الأخرى الأم، الأب، العم ثم الخال، والأخوان، أين هم ولماذا نعم وليس لا. كل هذه الأسئلة بدأت تتزاحم في رأسي. فإذا ما كان الأبوان في نهاية رحلتهما الدنيوية، وقد خارت قواهما على تحمل مسؤولية ثمرة زواجهما وقد نقلوا دفة السفينة إلى أكبر الإخوان سناً، فمن الملام هنا؟ وإذا ما حاكمنا ذلك الأخ الذي يود وبأي طريقة أن يسدل ستار الستر على أخواته المتناثرات يميناً ويساراً حتى ولو على مبدأ (ظل راجل ولا ظل حيطة) .. فما هو الحكم الصحيح على هذا الأخ حضرة القاضي؟ أما لو رجعنا إلى مناخ هذه الزوبعة والمهرجان، فإننا نرى أنه لا مكان لإبداء رأي في حضرة الأمر. فهل يحق للمعدم أن يدافع عن نفسه في حضرة الجلاد. ويا لحظها وسعادتها في رأيه إذا ما كان الذي ينتظر أخته هو اسم عائلة مشهورة، خيطان ذهبيان مطرزان على أكمام كتفيه (يا إلهي كم هي محظوظة) .. سيارة لا يقل سعرها عن نصف المليون درهم، مهر يكاد أن يملأ العيون الفارغة ... إلخ. الألم الجسدي أخف وطأة من الألم النفسي، ففي وسط الجموع تتنقل بعينيها وتشيح بنظرها عنهم .. وكأنهم يشهدون على وصمة عار قد بدأت بنقش وشمها على جبهتها. هي لا تريد ولكنهم من يريدون. وتأتي النتيجة ولكن بعد خراب مالطة. فبعد أن قام نابليون بتدمير وتحطيم كل ما هو جميل في العام 1798 وبرغم قصر الاحتلال الذي دام عامين على التوالي إلا أنهم لم يتركوا شيئاً إلا وسحقوه .. عاد سكان مالطة إلى تعمير بلادهم بعد الفتح الإنجليزي عام 1800 ولكن بعد ماذا؟ بعد خراب مالطة. كبرت تلك العروس العشرينية لتصبح شجرة هرمة في غضون عشرة أيام، تحولت حمرة شفتيها إلى حمرة في عينيها .. وساد السواد حولهما وكأن الزمان أكل عليهما وشرب. الآن رأف عليها الأخ، صحا الأبوان من غفلتهما طالبين المغفرة. ولكن بعد ماذا بعد أن اكتشفوا أن مصباح علاء الدين .. مريض نفسي .. أي بعد خراب مالطة. ملاحظة: (المقال يحكي قصة لحادثة حقيقية).
#بلا_حدود