الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

حبيبتي والقاضي

عندما يختطف القدر منك شخصاً يجسد لك العالم بأسره، فإنك تقف مكتوف الأيدي لا رجاء لك سوى البكاء، حتى وإن كانت الدموع تتأرجح في مقليتك مترددة أتسيل أم تتجمع لتشق خط نهر متوازٍ على الخدود؟ تمر السنين سريعاً وتتوالى الأيام ويكبر الحنين ويصغر الاشتياق، تناقض لا حل له ولا جواب، بين نار الاشتياق وحاجة إلى الحنين، ينير لك الله دربك ويسخّر لك عباده الصالحين ليتأكد لك بأن الله تعالى لا يأخذ منك شيئاً إلا ليعوضك خيراً بالمقابل. كانت عن ألف رجل في تربيتها .. في حزمها وإصرارها .. في تفانيها وحتى في غضبها معلنة أنها قادرة على أن تربي لوحدها، جعلتني أتناسى تماماً أن اليد الواحدة لا تصفق، لأن يدها صفقت وحدها دون أي يد أخرى، كم هي عظيمة هذه الإنسانة، وكم هي كبيرة! كنت أراها فأرفع رأسي لألتقط من تفاصيلها وأسردها حكاية بين وريقاتي، والآن يصل رأسها إلى منتصف صدري .. وشفتاي تقبّلان رأسها دون الركوب فوق كرسي أو طاولة. سبحان رب العزة وسبحان رحمته! لم يمضِ على زواجها سوى عشرة أعوام لتخرج إلى الدنيا ثلاثة أطفال من أحشائها فتتفاجأ بمصرع من كان سبباً في مجيئهم إلى الدنيا. فقدته، وهي التي كانت تهيم بحبه صبحاً وعشية، أخذه القدر كأنه يقتلع قلبها من بين أضلعها معلناً نهاية الحياة في عينيها. لم ولن أرى في حياتي صلابة كصلابتها، فقد كانت تخفي الدموع عنا لتبشرنا بأن المقبل أجمل وأحسن، هي بالضبط مثلت معنى الشمعة التي تحترق لتنير لغيرها الطريق، ولكن هل مضت السنين سريعاً لأراني أكبر وتصبح هي صغيرتي؟ صرت أعدها ابنتي .. حبيبتي، ورفيقة دربي، بت أهتم بها وكأنها طفلتي، أدلعها .. أدللها وأفتح راحتي لها، أقبلها وهالتي تحتضنها، باتت كالصغيرة بين يدي، أشتاق إليها وأحن إلى عبيرها وهي أمامي. لم أتخيل يوماً من الأيام أن تتبدل الأدوار لأصبح أنا المسؤولة الأولى والأخيرة عنها، أنتقي أنواع الشوكولاته التي تحبها لأرى ملامح الفرحة عند دخولي، تستقبلني لا تنام الليل .. تنتظرني وكأنما أنا الأم التي جاءت من بعد غياب طويل. كم هي جميلة الحياة بقربها! .. بضحكتها، حتى بعصبيتها، فهي وإن فعلت كل ما تفعل تبقى أمي، صغيرتي وحلوتي وأميرتي .. أدللها كيفما أشاء بالطريقة التي أشاء، وفي الوقت الذي أشاء. أيقن تماماً أن الله عز وجل إذا أحب عبداً ابتلاه، وأنا ابتليت بأعظم ابتلاء وهو الفقد، ولكن وبفضل الله ثم فضله وفضلها تجاوزت المحنة. نعم، وجوده يعني لي الكثير .. هو محركي ومن يضخ الدم في أرجائي، وهو عيناي اللتان بهما أرى الحق وأفصل بينه وبين الباطل .. هو علمني كيف أكون القاضي إذا ما تزاحمت عليّ الأمور، وعلمني كيف عليّ أن أتخذ قراري دونما عواطف أو انحياز. رباه .. كم أنت كريم بعبادك! وكم أخجل وأستحي من كرمك المغدق عليّ، أعرف وأجزم بأنني في حقك مقلة ومقصرة، ومع هذا فها أنت ذا تعطيني من حيث لا أحتسب. لا أكاد أتمنى شيئاً إلا ويتحقق، ولم يدعُ قلبي بشيء إلا ونلته .. فيا رب في أول يوم من رمضان المبارك أدعوك بألا تحرمني برها وحبها وحنانها وعطفها، هي أمي وطفلتي .. هي صديقتي وناصحتي .. هي نبض قلب فطره الشوق وأضناه الفراق. ربِّ لا تحرمني ممن كان لي ظهراً عندما تخلوا عني، وكان لي أباً وأخاً وصديقاً، قاضياً على كل مسببات الهم والألم عندي .. محامياً عني في كل الظروف، مستشاراً لا أكاد أفعل شيئاً من دون استشارته. ربِّ .. وفي أول يوم من رمضان أسألك أن تديم المحبة بين قلوبنا، وأن تهبنا قلباً صادقاً خالصاً في حبك وطاعتك .. ربِّ أشكرك على عظيم عطاياك وهداياك وهبتك. مبارك عليكم شهر رمضان .. شهر الرحمة والعتق من النيران.
#بلا_حدود