السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

ضيفنا .. أهلاً ومرحباً

منذ أيام كنا على موعد مع ضيف عزيز لطالما حنت إليه القلوب، واشتاقت إليه النفوس، إذ ينتظره العباد بالقلب والروح والفؤاد. أحياناً قد يكون الضيف ثقيلاً على القلب، وقد يكون عزيزاً على النفس، لكن الضيف الذي أعنيه نستقبله - نحن المسلمين - بالبشاشة، نتوهج شوقاً لقدومه، كما لو كنا لم نره من قبل، فهو يأتي لينصب خيمته على قلوبنا فننضوي جميعاً تحت سقفه، بعضنا ينتعش بنشوة لقائه، وبعضنا يستعد ويتسلح له بما يليق به، لأنه ضيف يحمل قيماً عظيمة، أهمها أنه يدعونا للجلوس على مائدة الحقيقة، وهذه الدعوة يتجاهلها بعضنا، ولو جلسنا على هذه المائدة التي يستضيفنا فيها هذا الضيف (شهر رمضان)، لاكتشفنا أنها عامرة بالخير كله، وأهم ما فيها الرحمة التي لو فهمنا مغزاها لتحررنا من النفاق والادعاء، ولأصبحت لدى بعضنا سلوكاً يراه الآخرون خيراً وحباً ومودة تخفف عنهم وطأة الأيام، فلا يشبع أحدنا من دون أن يتألم قلبه لجائع، ولن يستطيع شخص أن يمد ظلمه لصفع نفس أخ له في الإسلام، ولن يغتصب أحدنا حقوق الآخرين من دون أن تحترق كفه بدموع المغلوبين على أمرهم، وستصبح قلوبنا متشحة بالوفاء، رقيقة على الضعفاء، بعيدة عن الإيذاء ولو للأعداء. فالقلب الذي يحمل تلك الصفات بالتأكيد سيكون قد جلس على مائدة الحقيقة التي يدعونا إليها رمضان، أي اتسع لما يحمله الضيف من تسامح الذي هو الرحابة التي تجعلنا نؤمن بأن للكون رباً ينظمه، وللبشر أخطاء لابد أن يعبروها، وأن في العمر متسعاً كي نغفر للآخرين هفواتهم، ونقبل منهم اختلافاتهم، وأن نؤمن بأن للحياة أكثر من وجه، وللطقس أكثر من درجة حرارة، وأن الله - سبحانه وتعالى - لو أراد أن يجعلنا أمة واحدة ما استعصى ذلك عليه، وأننا ممكن أن نعيش وأن يعيش الآخرون، وأن مسرح الحياة يتسع الجميع حتى يُعلن إسدال الستار، وأن التسامح والعفو عند المقدرة أكثر روعة من الندم عند الانتقام، وأن من لا يستطيع التسامح لم يشرب من كأس الإيمان، واكتفى بمشاهدتها، كما أنه لن يستطيع أن يصدق أن للقمر وجهاً آخر أشد نضارة من الذي اختفى خلف السحب. ولو فهم أن الإيمان عمل لتغيرت أحواله، ولاختفى الدهش الذي يثور في النفوس أحياناً، ويجعلنا نتساءل ماذا لو جمعت ساعات البث الديني عبر الإذاعة والتلفاز في العالم الإسلامي؟ ولو تم عمل إحصاء لحجم الصحف والمجلات، والكتب الدينية مع تباشير كل صباح؟ ولو أحصي عدد المترددين إلى المساجد في العالم كله؟ وعدد المسابح التي تباع في رمضان؟ لو تم ذلك فإننا في مدينة فاضلة، ولما كان ذلك غير موجود فإن الدهش يظل قائماً، لأننا نحيا بوجهين: أحدهما يركع بالمسجد، والآخر يكشر عن أنيابه لإخوانه على بابه. ما يحدث في رمضان ارتقاء بالنفس إلى درجات أعلى من الإيمان والتسامح؛ لأن فضائله تغسل أدران الأرواح، وتطهرها بطهارة المحبة والخشوع، فليس غريباً أن تشرق القلوب وتتلاقى، ويصبح رمضان عنواناً للتراحم، ومن قست قلوبهم في البيت أو العمل صاروا مع الصيام كائنات لطيفة مبتسمة للحياة، تلقاك بفرح وتودعك بموعد، لكن للأسف بعد رمضان يعود البعض أدراجهم فيمارسون الغضب، ويتلفظون بما لا يليق ويشعلون النار، وليس غريباً أن نتسامح وأن تسع صدورنا أخطاء الآخرين، ولكن الغريب أن هناك من يظن التسامح وجبة رمضانية فقط، وأن من حقه بعد الشهر الكريم أن يفعل ما يشاء، والأغرب من هؤلاء من يتراجع عن التسامح عمداً، ويستغل تسامح المتسامحين ويظنه ضعفاً، وهو في الحقيقة منتهى القوة، ومن كان كذلك فهو أسوأ أنواع البشر، لأنه يدفع عشاق التسامح إلى التراجع عن خصالهم الكريمة، فنخسرهم ونخسر أفعالهم الجميلة التي نحتاج إليها. فإذا كنا في رمضان أكثر شفافية وروحانية، فعلينا بعده أن نكون أكثر تسامحاً ومحبة، وعلى الذين دفعوا ثمن تسامحهم من أعصابهم، وواجهوا طعنات الأيدي الغادرة والقلوب القاسية أن يبتسموا، لأنهم أقرب للإنسانية بمعناها الحقيقي، وأن الذين غدروا بهم وباعوا تسامحهم لا يستحقون البكاء والندم. لذا أقول: أيها المتسامحون أنتم عطر الحياة وأريجها .. تقبل الله منا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بألف خير.
#بلا_حدود