الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

دائرة تلقف كافة الدوائر

إن قيمة أي منهج لا تبين إلا إذا قيس بالاختبارات، أو عرض على الأصول، أو قورن بالأعراف، أو اقتُرِحَ أطعمةً ينالها الناس، أو بيع على العوام سلعةً، ولا نظرية أو فرضية تتمثل في كل هذه الوسائل، وهذا هو مكنون كل منهج تقييمي، ذلك أنه حتى نستخلص قيم أو معايير الأشياء المختلفة، وتكون بعد ذلك النتائج منشودة، لا بد أن يؤخذ عامل التجريب والتجربة على محمل من الجد يفوق باقي العوامل المفترض تداخلها في العملية الشاملة للتقييم. نعم، عامل التجربة والتجريب من أهم عوامل التقييم النموذجي للأشياء، فالانطباعات قد تخون أصحابها، والتعميم قد يظلم الشرائح غير المنضوية، والآراء قد لا تعبر عن مكامن الأهواء، ولذلك عندما تُستخلص القيم بتحفيز عامل التجربة تصبح النتائج واقعاً إلى الحقيقة أقرب وتلمسه الأبصار. ولعل أهم قيمة منهجية أكدت التجارب على أهميتها في القديم والحاضر هي «عدم المراوغة»، فالمنهج المراوغ غير مستدام، وغير ثابت، ويفتقد إلى المصداقية، وإلى الشفافية، وإلى التقبل، وعليه فكل هذه المزايا ستتمثل في القيمين على هذا المنهج أيضاً، فالمراوغ ليس له حال واحدة على الدوام، ويفتقد إلى الثقة، ويفتقد إلى الراحة، وليرحم الله أناساً كان هذا المنهج مطبقاً عليهم وفي حياتهم، إنهم بحق أتعس الناس حينها. إن منهجاً كهذا يفرق ولا يوحد، إنه خصيصة للأنظمة البوليسية، وركيزة للدول الأمنية، فالأنظمة البوليسية هي التي تعتمد على استخدام الأمن ذريعةً للقمع، والدول الأمنية هي التي تعتمد على المعلومات ذريعةً للاعتداء، ويا لهول المشهد بالنسبة للمجتمع المستهدف، فمع هذا المنهج يغدو صاحب النهار عدواً بالليل، ويمسي ضيف المساء شيئاً مختلفاً في الصباح، وتجعل مستأمن اليوم أخاً في الغد بحقٍ أو بدونه، وتجعل من العدل الذي ترسخ في الأذهان يركع أمام عمليات التصحر المعلنة والخفية، أبطالها مجموعاتٌ إنسانيةٌ هاربةٌ من تناقضات قيمها، ورهباً على موروثاتها من الضياع، بالرغم من أن جل هذه الموروثات دون الفائدة العملية، لا على الصعيد المجتمعي ولا على الصعيد الإنساني، نظراً لكثرة أعطالها وتكاليفها، ومتخذةً من التفشي والانتشار ذريعةً .. إن منهجاً لا يتطور لا على صعيد الخطاب، ولا بالتواصل، ولا على صعيد خطة العمل، ولا على صعيد التدابير اللازمة للتوفيق في الإدارة أو القيادة، لم يبق أمامه كي يحمل أصحابه إلى برٍ آخر فراراً وهرباً إلا المماطلة ليكسب الوقت، أو الترنح ليكسب التعاطف، أو المراوغة ليبث القلق، أو التطرف فيبث الشتات، وباب الأبواب كلها هو المناورة من وراء جدرٍ أو بحر، وهذه لوحدها لوحةٌ بوجهين: عمالة وفضائية، فأما العمالة، فتكمن في الإرشاد، وأما الفضائية فتكمن في الإفساد. والخلاصة أن أركان هذا المنهج هو إلغاء السلف، والتمويه على عمل القدماء، وتشويش الهوية والموروث، يكون ذلك بتقديم المبررات، ويكون ذلك بالاستشهاد بمواعيد ثم التأسي بها، أو يكون ذلك بكليهما، وعندما لا تتطابق التوجيهات مع التوقيتات لا تتحقق المنبغيات والمبتغيات، بل ستصبح عوامل عكسية تزيد من الحنق النابع من الجفاف، ومن سرعة السقوط النابع من الفجوة.
#بلا_حدود