الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

فكر لتبدع

يقال إنه على طريق المطار في طوكيو توجد لوحة كتب عليها (فكر لتبدع)، تماماً كالمجتمعات التي توشك أن تتحضر ولكن لا ترى أو لا تريد أن ترى علاقة شرعية بين مصطلحين متناقضين هما الجنون والإبداع، أو الفكر والإبداع، أحدهما لا يمكن له أن يعيش إلا في مصحات نفسية من وجهة نظرهم، والآخر تجيز له معتقداتهم وأعرافهم التقليدية كل ما حلل وحرم، ولكن نصف السؤال من هذا ومن ذاك؟ والنصف الثاني كيف لمجتمعات اختلط الحابل فيها بالنابل أن تميز هذا من ذاك؟ في المجتمع الناطق بـ «العربية» لا يمكن أن ترى لأحد دوّن له عن قصد أو بالخطأ مهنة «مجنون» أو وظيفة «مبدع»، لأنه يصعب على المجتمع طبعاً أن يعترف بالإبداع فكيف له أن يعترف بالجنون! تشدني قصة المبدع والمجنون في آن واحد للبرازيلي «باولو كويلو» صاحب أشهر رواية عالمية، تتحدث عن قضية الاستمتاع بالعواطف، وكيف لك أن تسخر ظروفك كي تبدع، ولا يشترط عليك أن تقيم في فندق عشر نجوم، كي تفكر وتبدع وتجمع إبداعك مع عواطفك كي تثبت لجميع من حولك بأنك قادر على صنع المستحيل، لقد استوحى الرواية من تجربته الشخصية في مستشفيات الأمراض العقلية التي دخلها أكثر من مرة، إذاً حتى في خيمة لجوء يمكن لك أن تبدع. تخيلوا أشهر كاتب يستوحي كتاباته من مستشفى أمراض عقلية تردد عليها، بربكم لو أنني ترددت عليها، وهي غير موجودة بالأساس، ثلاث مرات بالخطأ ما هي خاتمتي؟ في الدول التي تعترف بالإنسان كإنسان وليس كأي شيء آخر، أمر طبيعي أن يتردد الإنسان على مصحات أو مستشفيات أمراض نفسية، لأن هذه الأمراض لا تقل أهمية عن الأمراض الجسدية أو آلام الأمعاء. سؤال برسم الجنون، في ظل الظروف النكدية والهموم المتراكمة والأوطان المبعثرة والشعوب المشردة والمواجع المصروفة بأثر رجعي، يخوض الإنسان معارك ضارية كي يحقق جزءاً من أحلامه، فهل يمكن له أن يبدع وهو قابع تحت خط الفقر والنار، لما لا؟
#بلا_حدود