السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

إما التكييف أو التعليم

آخر مرة كنت متآلفاً فيها مع المروحة الكهربائية أواخر تسعينات القرن الماضي. حيث كانت تخفف علينا نوعاً ما قيظ الصيف اللاهب في مدينة دير الزور، تلك المدينة الغافية على كتف نهر الفرات في أطراف البادية السورية. ودعت حينذاك المراوح الكهربائية وأصبحت نادراً ما أراها بعد أن أصبحت أعمل في الإمارات العربية المتحدة متنعماً بمكيفات الهواء العليلة في كل مكان، والتي تمنحني شعوراً بالنشاط والراحة، وكأني على أحد قمم جبال الألب السويسرية. مؤخراً اضطررت لجلب عائلتي من سوريا لأقيهم لهيب الحرب المستعرة في بلاد لم يعد للعقل فيها مكان، وبعد أن تم تدمير منزلي الذي بنيته بشقائي وسنين غربتي. وبما أنني من أصحاب الدخل المحدود فقد تبين لي وبعمليات حسابية دقيقة أنني أحتاج إلى توزيع راتبي إلى أربعة أرباع، ربع لإيجار الشقة، وربع لمدارس الأولاد وربع لتدبر أمور المعيشة، والربع الأخير أحوله إلى أهلي المعوزين في سوريا نتيجة ظروف الحرب القاهرة. بعد استلامي الشقة في إمارة عجمان الجميلة تبين لي أن مكيفات الشقة تعمل على مولدات كهربائية خاصة منفصلة عن كهرباء البلدية، فكانت فاتورة الشهر الأول صادمة لي جعلتني أعيد حساباتي حين تبين لي بأني أحتاج إلى مبلغ يعادل أحد الأرباع الأربعة لدفع قيمة فاتورة التكييف. وبما أن الحياة مستحيلة بدون شقة وبدون مصاريف المعيشة ولا مناص لي من دعم أهلي المحتاجين، جمعت أولادي ووضعتهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكييف وإما التعليم. قلت لهم: إن كيفتم الآن، فستعانون الجهل والفقر في المستقبل. وإن عانيتم الآن قليلاً فستكيفون في المستقبل. وبعد أن فض الاجتماع الأسري المطول، قمت بفصل مصادر الطاقة عن مكيفات المنزل. ذهبت إلى السوق وأحضرت ثلاث مراوح كهربائية فاخرة بألوان زاهية، وشرحت لأولادي بإسهاب مزايا المروحة الكهربائية وأنها تذكرني ببيت أهلي في دير الزور لتجعلني أقل شعوراً بمعاناة الغربة وآلام الحزن على الوطن الملتهب.
#بلا_حدود