الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

في دماء الفاتحين

دُهش أحد السياح العرب حين سمع اثنين من سائقي الأجرة الإسبان يتشاجران ويتبادلان كلمة «عرب» في ما بينهما، فظن أنهما يتشاتمان، إلا أن المرشدة السياحية أوضحت له أن كل منهما يُنذر الآخر بغضب الدماء العربية التي تجري في عروقه! .. تساءلت عندما سمعت هذه القصة، هل من المعقول أن تبقى روح هذه الحمية تحلّق بسمو في أخلاق الأندلسيين بعد عجاف مئات السنين من المحو والطمس والإلغاء. وهل «نما المجد على آثارهم وتحدّى، بعدما زالوا، الزوالا» حسب قول عمر أبوريشة على لسان فتاة أوروبية جميلة جلست إلى جانبه في إحدى تنقلاته متفاخرة بأصولها، ليكتشف في نهاية حديثها أنها تعني أجدادنا فاتحي إسبانيا دون أن تنتبه لمحدثها الذي آثر تجاهل جنسيته، فكتب فيها إحدى أجمل قصائده «الطائرة». وكم كانت دهشتنا أن يختم أسطورة كرة القدم زين الدين زيدان آخر مباراة دولية له ببطاقة حمراء، ويقضي على فرصة فريقه بالفوز بكأس العالم في المباراة النهائية، ويترك صورته الأخيرة على الملاعب الدولية بنطحته الشهيرة للمدافع الإيطالي ماركو ماتيرازي التي أدت لطرده أمام ملايين من عشاقه. زيدان الحاصل على جائزة أفضل لاعب في العالم ثلاث مرات، والذي صُوّت له كأفضل لاعب في الخمسين سنة الماضية، قال معلقاً على هذه الحادثة بعد ذلك بلا أسف لقد ذكر ماتيرازي أمي وأختي بسوء، وهو ما اعتبره أمراً لا يستطيع السكوت عنه حتى لو كانت ردة فعله تلك آخر جملة تُقال عن تاريخه المهني. فهل أعادت مدينة مدريد التي سماها الأندلسيون «مجريط»، أي مجرى المياه، لزيدان ذلك النبض الخفي الذي يجري متنقباً في عروقها؟ أم إنه موجود فيه ينتظر متحرشاً كماتيرازي يجذب له قميصه ليقطع له يده قبل لسانه؟ ليظهر عليه ذلك المكوّن المميز من عنصرين لتركيبتنا بين الفاتحين من سرعة «الغضب» التي تشتهر به سيكولوجيتنا، وذبّنا عن «أعراضنا»، تلك الكلمة التي توجد حصرياً في قاموس لغتنا وثقافتنا دون غيرنا. ولذلك عندما أقرأ لكثير استهجنوا قول الشافعي رحمه الله «من استغضب فلم يغضب فهو حمار!»، وهو العالم الجليل، أقول ربما قال جملته تلك عندما كان مستسلماً لمكوّنه الداخلي حين رأى حداً من حدود الله يُنتهك ولم يكترث له أحد.
#بلا_حدود