الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

سجن الأجندة

في زمن تسارعت فيه الوتيرة، وبدأت عقارب الساعة تهرول حتى لم يبقَ للثانية قيمة، كل شيء له معنى ومغزى، وكل خطوة لها هدف تقودك لهدف آخر، يجب أن تسارع الخطى حتى لا تُوصف بالكسل، ويجب أن تكون «ديناميكياً» كي تحجز لك خانة في قائمة المجتهدين، يُقال لك إنك يجب أن تكون سريع البديهة، ويجب أن تقرأ ما بين السطور وما خلف العيون، ويجب ويجب ويجب .. إلخ. كلها صفات ومتطلبات ترتبط بالسرعة وعصرها، فلا مكان للبطيء فيها، إما أن تجاري سرعة التيار أو أن تنجرف خارج المسار ليرمي بك على شواطئ الفشل، كل شيء منظم منذ الاستيقاظ من النوم حتى الخلود إليه، جميع الأمور والمهام مجدولة، ولا يمكن الخروج عن الجدول إلا للضرورة القصوى وبعد إبداء الأسباب المقنعة، فهواة النظام يرون أن من لا يمتلك أجندة يومية شخص فاشل وعشوائي، ولا يمكن التعايش معه! شخصياً لست ضد النظام والتنظيم، ولا أنكر أنني أحمل معي غالباً أجندة لترتيب جدولي ووقتي، ولكنني ضد العيش ضمن جدول، فحياة الكثير أصبحت داخل تلك الدفاتر الرسمية التي يدونون فيها أجندتهم ومواعيدهم أو في الهواتف الذكية لمن يحبذون استخدام التكنولوجيا، فما أن تطلب موعداً للقاء أحدهم حتى ينظر بتمعن في الأجندة، ثم يوافق على منحك موعداً حسب ظروف أجندته! والمصيبة الكبرى أن البعض أصبح أسيراً للأجندة حتى في علاقاته الشخصية مع عائلته وزوجته وأبنائه، فعلى الزوجة أن تحجز موعداً للعشاء قبل ما لا يقل عن أسبوع حتى تتيح متسعاً من المجال لترتيب جدول الأعمال. في الحقيقة أشفق على هؤلاء لأنهم سجناء بقرار ذاتي، فهم من مشوا بملء إرادتهم إلى سجن الأجندة، وضحوا بالحرية الغالية، فهولاء حرموا أنفسهم متعة العيش ببساطة، ولم يجربوا ترك الوقت ليقودهم حيثما يشاء، بينما هم يستمتعون فقط دون أن يشغلوا عقولهم بالتفكير، لم يمنحوا أنفسهم الفرصة لكي يكونوا جزءاً من خطة يضعها صديق أو أحد المقربين ويتخلوا عن مهمة وضع الخطط بأنفسهم، لم يجربوا متعة الاستمتاع لمجرد الاستمتاع، متعة العيش لمجرد العيش، متعة الراحة لمجرد الراحة. أخيراً .. استثمار الوقت ليس كاستثمار المال .. فالوقت يمضي دون عودة وخسارته لا تعوض أبداً، أما المال فقد تخسره اليوم وتكسبه غداً لتعود لتخسره بعد غد، ومن الحماقة أن تطبق نظريات الاستثمار ذاتها على المال والوقت.
#بلا_حدود