الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

فلاش باك!

تميزت بقدرتها على حل البراهين الرياضية والفيزيائية بشكل ملفت، فقد كانت تحل أصعبها وأكثرها تعقيداً، ما جعل أساتذتها يحارون في تفسير هذه القدرة العجيبة التي نادراً ما تخطئ إلى أن قرر أستاذها أن يراقب طريقة حلها عن كثب، فلاحظ أنها تبدأ حل البراهين من النتيجة! وتصعد بعكس سير المسألة حتى تصل منتصفها، ثم تقفز للبداية وتكمل حتى تبلغ النقطة التي وصلتها من قبل، وهناك تكتب الخطوة الأخيرة للحل، وهكذا كانت تفعل مع كل تمارين الإثبات؛ تبدأ من خط النهاية حتى تقارب نصف المسألة،ثم تعود للبداية وتقترب بها نحو المنتصف، وهناك تجد اللحمة النهائية. لما سألها الأستاذ عن تفسير طريقتها تلك قالت: كل المسائل تبدأ حين تنتهي! والعقدة الحقيقية في المنتصف دائماً، فهي نواة الحكاية، وللوصول إليها ما علينا سوى أن نمسك طرفي المسألة أي القانون وفرضيته، وصولاً لتفكيك العقدة بينهما، مستخدمين تقنية الـ flashback، لاستحضار ذلك الضوء المتدرج بالسطوع، فنجذب بها أقطاباً متضادة، يأخذ السالب فيها الموجب ويختفيان معاً. يختزل الجذر أشجاراً بأبعاد تربيعية أو تكعيبية، تقزم عصا القسمة السحرية الأرقام أو تضاعفها بالضرب لتصبح مزيجاً من حقائق الرموز وأعشار الأعداد! الحقائق التي من أجلها أوجد العلم البرهان لندرك عن طريقه كيف أن هذه النهاية البديهية التي نحفظها عن ظهر قلب جاءت من تلك البداية البسيطة، لكنها ما كانت لتبدو كما هي عليه لولا تلك التفاصيل الدقيقة المتشعبة التي لا نجيد تتبعها جميعنا! لذلك قيل إنه لما وحد يوسف بن تاشفين ممالك الطوائف في الأندلس، وضمها لدولة المرابطين نفى المعتمد بن عباد إلى «أغمات» إحدى مدن المغرب النائية، ليعيش بقية حياته في ضنك وذل؛ وقد كان أقوى الملوك وأغناهم، ويشهد له كل من عرفه بأنه كان ملكاً شجاعاً وفارساً مغواراً، وقد أبلى في معركة الزلاقة إلى جانب يوسف بن تاشفين نفسه بلاء حسناً، كما أظهر من صدق العزيمة في الحرب وشدة الصبر على مكاره الهيجاء ما حفظه له التاريخ. فلما سأل من حفظوا له الوفاء عند ابن تاشفين العفو، ذكرهم باستغاثة المعتمد بعدوهما ألفونسو ملك الفرنجة، ليردهم عن حصار مدينته، ألفونسو ذاته الذي حارباه معاً في الزلاقة، ثم قال «يحفظ الناس النهايات، لكنهم لا يتذكرون كيف بدأت».
#بلا_حدود