الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022
الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022

الحل سيكون سورياً بحتاً

يبدو أن العالم الحر لم يقتنع بها بعد وحتى بعد مجزرة الغوطة الأخيرة التي أبيد بكيماوي النظام فيها أحرار سوريا من العزل، في مشاهد ستصم بالعار كل من انتفض لحلبجة الكردية ولم يتحرك له جفن للغوطة السورية! برغم أن الاثنين يجمع مرتكبهما أحلام الأمة الواحدة العتيدة وشعار البعث وأغاني القومية البالية التي «صدعوا رؤوسنا بها عقوداً» وأذلونا، إلا أن السيناريو نفسه سيتكرر يوماً ما وإن لم يكن بعامنا هذا أو حتى في المقبل المنظور من السنين. فالجريمة التي تمس إنسانية الضحية لا تسقط بالتقادم ولا يعفو التاريخ عن مرتكبها، ولن ينسى أبناء الضحايا أو حتى أحفاد أبنائهم حقوق تلك الأرواح التي تساهل بها حاكم ظالم مستبد ظن أن القمع والقتل سيضمن له حكماً طويلاً وعمراً مديداً. كما لن يهنأ بال الحر من هذا العالم إلا وهو يرى طبيب العيون بشار وهو يقف ذليلاً خلف القضبان يحاكم على ما ارتكبه وزبانيته طوال أعوام الثورة السورية، التي «اسمحو لي» بأن أسميها العظمى والأسطورة، فقد أرتنا كيف يعيد التاريخ نفسه ليكشف لمن عميت بصيرتهم أن روسيا اليوم هي نفسها الدب الأحمر لتسعينات القرن المنصرم، الذي أقنع صدام حسين بالسماح للمفتشين الدوليين بتفتيش قصوره الرئاسية طلباً لكسب بعض الوقت، فما كان من الوقت أن نفذ وضربت العراق واجتث حزب البعث من جذوره! الوسيط هو ذاته هذه المرة أيضاً، فقد خرج بمبادرةٍ للرقابة على مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية، على أن يكون الأمر أممياً ويكون للولايات المتحدة أعضاء فيه بصفة مفتشين. التاريخ سيعيد نفسه بالتأكيد لمن يحسن تهجئة الكلمات لا قراءتها فقط، فقبول سوريا بهذه المبادرة اعتراف منها رسميٌ بامتلاكها ترسانةً من الأسلحة الكيماوية، وتوقيعها على معاهدة منع استخدامها كمن يقر بينه وبين الآخرين ذليلاً في الخفاء أنه استخدمها. فيما الخطوات اللاحقة ستكون مطالب بالتخلص من السلاح الكيمياوي كما فعل القذافي سابقاً، وهو ما كان للنظام السوري الآن، لكنه لن يكسب بشار وحزبه سوى قليل من الوقت، فلن يسكت العالم عنه كما فعل مع أبيه في الثمانينات، ليس نزاهةً في العالم ولكن لأن رائحة القتل في سوريا قد تجاوزت المدى والحدود وأصبحت تُزكِمُ الأنفس! مر علينا جنيف واحد، وربما سنرى بعده اثنين وثلاثة بدون التوصل لحلٍ يشفي غليل الشعب، وستعقد جلساتٌ لمجلس الأمن ومفاوضاتٍ بين الدول الداعمة لطرفي الأزمة السورية، وسنشهد جولات مكوكية لوزراء خارجية عرب ومبعوثين للجامعة العربية والأمم المتحدة، لكن الحل قد يخرج من غير جلبابهم جميعاً ويفاجئنا ليكون سورياً بحتاً! الأيام تعرّف بأنها دول، وإن كانت تغاضت عن الأب الديكتاتور من قبل ومجازر سرايا الدفاع، إلا أنها لن تدوم للابن بشار حتى لو أباد وشرد ثلث شعبه كما فعلت الحرب الأهلية باللبنانيين سابقاً، وسينال المجرم عقابه ولو بعد حين، فلن يكون ابن حافظ عند الغرب أغلى من كل ديكتاتور خدم مصالحه عقوداً، لكنه وما إن انتهى دوره، لفظه الأقربون منه ورفض الجميع احتواءه وإيواءه. ولكم في شاه إيران محمد رضا بهلوي خير دليل، حين لم يقبل استقباله سوى مصر السادات فيما تخلت عنه الولايات المتحدة ما إن احتجز طاقم سفارتها عقب ثورة الخميني أواخر سبعينات القرن المنصرم!