الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022
الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022

شبابنا المهاجرون

تخيل نفسك في مركب يشاركك به الترحال، نحو جنة الغرب، العشرات ممن ضاق بهم جحيم دولهم، وأطبق عليهم يأس الفرج في قراهم ومدنهم، إن أجدت التصور، ستعلم حينها ما الذي يجعل شباب الوطن العربي والعديد من عرب أفريقيا يتكدسون فوق بعضهم، ليعبروا محيطاً لا يرحم، وهو الذي يغرقهم كل مرة، ومع ذلك يسعى العديد لسلكه، ولو حتى بقارب متهالك، دفعوا في سبيل استخدامه ما ملكوا واستدانوا، لعله يوصلهم لأرض الفرج أوروبا، حيث العيش الرغيد والوجه الحسن، وحقوق الإنسان التي لم يقروها لشعوبهم إلا بعد أن استعبدوا واستعمروا ونهبوا الآخرين عقوداً. إيمانهم بالعدالة وتطبيقهم للديموقراطية وعملهم على السلم الاجتماعي وتوفير الرفاه لمواطنيهم زغزغ عقول أبنائنا المهاجرين، وأغراهم بأن الحل الوحيد لمعاناتهم هو أن تبلغ أجسادهم إيطاليا، لينفروا منها صوب إحدى دول القارة العجوز، قد أجدى ذلك للكثير منهم سابقاً، لكن أوروبا الآن تعاني من تدهور اقتصادي، وباتت بعض دولها على حافة الإفلاس تستجدي اتحادها تقديم الدعم والمساعدة. لم تعد أبوابهم مفتوحة لنا، ولا لشبابنا الطامح بحياة أفضل، ولم تعد حقوق الإنسان وقوانين اللجوء الإنساني مفعلة، أو مرحباً بها كما كانت سابقاً، ولم تعد تنطلي عليهم حيل الاضطهاد واللجوء السياسي ولا الإنساني، أو تمزيق جواز السفر حال أن تطأ القدم أرض مطارهم. عدل العديد منهم قانون ما كان يسمى يوماً «حق الأرض» والذي يمنح بموجبه من يولد جنسية بلد المولد، لم يعد يصدق مندوبو الهجرة لديهم قصص افتتان نسائهم بالسمار العربي الذي أغرى بناتهم بالزواج من شباب مهاجر لا يملك من متاع الدنيا شيئاً، وجل همه إقامة،أو تصريح للعمل يمكنه من مساعدة عائلته في الوطن الذي تركه، طمعاً في حياة أفضل، ويسعى لها بأي الطرق الميسرة، وحتى إن كان الزواج من عجوز فلا بأس طالما تحقق الغرض بالحصول على تصريح العمل، أو الإقامة! قبل عشرين سنة، وفي ظل حمى الهجرة، وتسارع أبناء جيلي للبحث عن حياة أفضل خارج دولهم، استبدت بي الحماسة، فكتبت أنصحهم بالهجرة، ولو على ظهر جمل. الآن، ها أنا أكتب عن الهجرة، لكن مناقضاً نفسي، وفي حيرة من أمري، فأي الأمرين قد أصبت فيه وأخطأت؟ أترك الإجابة لمن هاجر بأي شكل، ليجيب لكم عليه فهو أدرى مني إن كانت مغامرته قد استحقت المحاوله أم لا؟