الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

سلوكيات شبابية غير مسؤولة في شارع حيوي

للربيع على أرض الإمارات شكل آخر وبهاء آخر، إذ همس إلى الأرض بكلمة سحرية فجن جنونها وتمايلت له الأغصان، وتفتحت له الأزهار، وانتشر عبقها لينتشي الجو بالأريج المعطر، ومعه نفتح نوافذ بيوتنا لاستنشاق الهواء العليل، حيث تترقرق نسمات ناعمة حريرية، ويلف الدنيا أرضاً وسماءً هواء عليل، لكن شارع الشيخ زايد (السلام سابقاً) هو الحلقة الأضعف في هذا الجو البديع، فما إن يمضي الهزيع الأول من الليل إلا والذعر يغشاه طولاً وعرضاً، ويضطرب فيه حبل الأمان رغم أنه يُعد شرياناً حيوياً واستراتيجياً في تطور حركة المرور في إمارة أبوظبي، إذ إن طاقته الاستيعابية 12 ألف مركبة في الساعة بالاتجاهين. ولقد شكلت البنية التحتية في الإمارة، لا سيما الطرق والجسور رافداً مهماً في قوتها الاقتصادية وتطورها لتحقيق رؤية القيادة الرشيدة، وها هي بلدية أبوظبي تواكب النهضة العمرانية تلبية لحاجة التمدد والانتشار السكاني فأنشأت الشوارع الفسيحة، وأقامت على جانبيها الأعمدة الكهربائية المدلاة منها مصابيح مضاءة جعلت الليل نهاراً. وبالتنسيق مع شرطة أبوظبي زرعت كاميرات الرادار ونثرتها في الشوارع كافة بحجم النجوم في السماء، ويأتي على رأسها شارع الشيخ زايد (السلام سابقاً) الذي يستخدمه ليلاً بعض الشباب من الموتورين، فيسلمون علينا نحن سكان الشارع بالصواعق ويصافحوننا بالرعود نافخين أبواق سياراتهم ودراجاتهم البخارية، فيجعلونها تعوي عواء الذئاب وتزأر زئير الأسود وهم يسحلون الشارع سحلاً، ويذرعون الإسفلت بعصبية بغيضة مميتة، ناظرين إلى الناس من حولهم كأنهم جماد وليسوا بشراً. هؤلاء الشباب تخصصوا في سلبنا حقنا في النوم بأمان .. فجعلوا مساءنا كئيباً نقفل علينا فيه النوافذ، ونحرم أنفسنا من نسمة هواء ترطب جوف عليل سقيم، بعد أن أصبح واحدهم عدو روحه، يتقدم في جنازتها من دون أسف، يهرول إلى نهايته بسرعة فائقة كأنه سيخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولاً، فتمرغ سياراتهم صفو الأفق .. وأصبحنا لا نحيا في اطمئنان لكن في أرق وخوف وهلع، لا يدري أحدنا متى تنطلق القنبلة أو يدوي الصاروخ، فهم ينطلقون كالجراد الأحمق الذي يبدّد المكان والجمال. إنهم شباب خرجوا عن النص ووقفوا عند حافة التمرد على النظم والقوانين، غير معترفين بأن ما يقومون به انتهاك لحرمة الروح والجسد، هم لا يعرفوننا أما نحن فنعرفهم، فهم سائرون بسرعة البرق إلى التهلكة والهوان، أما نحن فيقضون مضاجعنا بالليل قبل النهار، هم لا يعون صراخنا لأن ضجيج سياراتهم يملأ آذاننا، هم يضعون قلوبهم بين إطارات سياراتهم ونحن نضعها بجانب قلوب فلذات أكبادنا، هم يفعلون ما يفعلون من دون شعور بوخز ضمير، ولا تأنيب نفس لعدم احترام القوانين، أما نحن فتعلمنا منذ الصغر ثقافة احترام الآخر، واحترام الطريق وأنه ليس ملكك، وأن الأخلاق أم الأنظمة، وأن القوانين الذاتية النابعة من ضمائرنا نشأت على الحلم. الأخلاق تحتاج إلى إرواء بماء الثقافة، ومن فقد هذا الماء فقد الحياء، ومن فقد الحياء هانت عليه الحياة ومن هانت عليه الحياة رخصت في عينيه الأخلاق، فهلا وعت العقول أم أن هناك قلوباً عجزت عن استنشاق عبير القوانين من كثرة اللهاث في صحراء الوهم. إنني في هذا المقال أناشد المسؤولين أن يعيدوا لليل سكونه وأن يوقفوا هؤلاء الصبية عن غيهم، لأن أول واجب تقضي به الإنسانية هو ألا نتركهم ينشأون جهلاء، فلنثقف عقولهم ولنهذب نفوسهم، لأن ما يرتكبونه يندى له الجبين خجلاً، ولو كان الأمر بيدي لاستبدلت بأبواق السيارات بوقاً له تغاريد كأغاريد الطيور، أو جعلت منها أنغاماً دينية تتوزع في الهواء فيتعالى عزف قدسي تشفى به الجراح والآلام، بدلاً من الموت الزؤام في شارع السلام.
#بلا_حدود