الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

انتصرنا على الملل وهذه مشكلة

توقفنا عند الإشارة الضوئية فأخرج هاتفه الذكي وبحث فيه ثم أعطاني إياه لكي أرى مقطع فيديو لقرد يعتني بدجاجة! كنت أشاهد الفيديو ويشاهده معي فكنت أرفع بصري بسرعة نحو الإشارة وأعود كي لا تفوتنا الإشارة الخضراء حتى لو تأخرنا قليلاً فسينبهنا من خلفنا، لكنني لا أود سماع صوت المنبهات. انتهى المقطع سريعاً وأعطيته الهاتف وتغير لون الإشارة إلى الأخضر، انطلقنا وبدأت أفكر كم أكره الهواتف الذكية حقاً، لأنني حتى لو لم أمتلكها فهناك أناس حولي يمتلكونها ويرون أنه من اللازم علي رؤية هذا المقطع أو ذاك، وأنا لا أقول لأحدهم «لا» ولا أجد مشكلة في أن أرى ما يريدونني أن أراه، لكن بعد تكرار الأمر مرات كثيرة في أوقات غير مناسبة بدأت أتضايق حقاً. يبدو أن البعض يريد إلغاء وقت الفراغ تماماً فلا تبقى لحظة دون فعل شيء فيها وهذا في حد ذاته مشكلة، لأن النفس تحتاج وقت الفراغ لتخرج من حالة وتستعد لحالة أخرى، لكن البعض لم يعد يريد أن يجرب هذا الوقت الفارغ من أي شيء فتجدهم يحاولون فعل أي شيء. ولأن الهواتف الذكية متوفرة معهم في كل وقت تجدهم يراقبون هذه الشاشات متنقلين بين صورة ومقطع فيديو ولعبة فيديو وتواصل سريع عبر الشبكات الاجتماعية حتى ينتهي وقت الفراغ الذي قد لا يستمر أكثر من دقيقتين، لكنهما في نظر البعض دقيقتان من الجحيم إذ لا صبر لهم وبالتالي فعليهم فعل أي شيء، والهاتف الذكي يقدم «أي شيء» لأي شخص. لا أكتب هذه الكلمات لأنتقد الهاتف الذكي لكن لأشير إلى مشكلة أننا قتلنا وقت الفراغ، قتلنا الملل وهذه مشكلة، الناس بحاجة للملل، وقد قلتها سابقاً إن الملل ليس وجود شيء تفعله بل عدم وجود دافع لفعل شيء، ولازلت عند كلامي، لكنني الآن أضيف أن الملل أنواع، أو على الأقل، نوعان: ملل الاكتئاب وهو عدم وجود دافع لفعل شيء وهذا نوع سلبي، وملل الفراغ وهو وجود وقت لا تعرف كيف تستثمره وهذا ملل يمكن أن يكون إيجابياً. ملل الفراغ تجده في أوقات الانتظار، عندما تدخل إلى مطعم أو مقهى وتجلس إلى طاولة وتنتظر أن يأتيك من يسجل طلباتك، عندما تذهب لمؤسسة حكومية وتأخذ رقماً وتنتظر دورك، عندما تذهب لعيادة وتنتظر، عندما تزور شخصاً فيدخلك إلى المجلس ويذهب ليعد لك شيئاً تأكله وتشربه، الوقت الذي تقضيه في السيارة من وإلى العمل، عندما تسافر وتقضي وقتك في الطريق، عندما تضطر للمشي من مكان لآخر أو عندما تمارس المشي، أنت تحرك قدميك وهذا لا يحتاج لكثير من التفكير لذلك المشي يعتبر وقتاً فارغاً كذلك وكل عمل آخر لا يحتاج للتفكير مثل قيادة السيارة يصبح وقت فراغ. المشكلة أن البعض يخاف من الفراغ لأنه يجعلهم يفكرون في مخاوفهم، يفكرون في أخطاء الماضي ومجهول المستقبل، والبعض لا يريد ذلك، البعض يريد الهرب باستمرار من هذه الأفكار، لذلك الهاتف الذكي وسيلة رائعة لفعل ذلك، لا غرابة أن تسمع عن حوادث بين الناس وهم يمشون! يصطدمون بأعمدة الإضاءة أو ببعضهم البعض، لأنهم ينظرون إلى شاشات الهواتف وعقولهم لا تستطيع التركيز على أمرين في هذا الوقت. والمشكلة مرة أخرى ليست في الهواتف بل في الناس، الهواتف وفرت فرصة لهم، لكن من دونها سيسعى البعض لفعل أي شيء آخر، البعض يعتبر الفراغ كالجحيم أو هو الجحيم وينبغي تجنبه بأي وسيلة، وسيجدون الوسيلة مهما كانت صعبة المنال. عندما تنتقل من شيء لآخر، من شبكة اجتماعية ترى فيها مختلف الأفكار والصور والطرائف ومقاطع الفيديو، إلى لعبة فيديو تطير فيها طيور تكره الخنازير، إلى تطبيق لتقييم المطاعم، إلى إرسال رسالة قصيرة لصديق في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، إلى الرد على مكالمة هاتفية والمشي في أرجاء الغرفة والعبث بأي شيء أو حتى العبث بهاتف ثان، عندما تنتقل بين كل هذه الأشياء وغيرها فلن يجد عقلك فرصة لأفكار مهمة لأعمالك وحياتك، لن يجد فرصة لتقييم وموازنة فرصة كثيرة وأفكار مختلفة ومشاريع شخصية تريد إنجازها، لن تجد وقتاً للإبداع وللإنتاج فأنت مستهلك دائم لإنتاج الآخرين وتهرب بهذا الاستهلاك من واقعك، لكنك أيضاً تستهلك طاقتك فلا يتبقى لك شيء كي تنتج وتصنع. عليك أن تعطي عقلك شيئاً من الراحة والفراغ، إذا مررت بوقت فراغ أو انتظار فلا تحاول أن تفعل أي شيء، انتظر فقط، تنفس بعمق، انظر حولك، فكر بما ستفعله لاحقاً أو بما يجب أن تنجزه اليوم، أو حتى لا تفكر بشيء، أعط نفسك يوماً من الراحة، يوماً لا هواتف ولا إلكترونيات ولا إنترنت، المهم أن تفعل ما بوسعك لكي تعطي عقلك شيئاً من الراحة، أقول هذا وأنا مدرك أن التقنيات ستجعلنا نسعى للتواصل الدائم في كل مكان حتى الأماكن التي يفترض بها أن تكون شخصية جداً، قاوم إغراء المنتجات الاستهلاكية، أنت لست بحاجة لأن تشاهد مقاطع الفيديو وأنت تستحم! مدونة: عبدالله المهيري https://abdulla79.blogspot.ae
#بلا_حدود