السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

خطة التراجع عن قرار التراجع

لم يخبروه بأن الحرب انتهت، أو ربما أخبروه ونسي، وظل يرسم الخطة للهجوم الأخير مبشراً نفسه بتحرير الباقي من أرضه وأسرى لم يكونوا إلا جنوداً تحت إمرته رفضوا القرار الصادر من القيادة العليا، وقرروا الهجوم. خصوصاً أن ملامح النصر كانت بادية عليهم، بينما هو ظل بين صوته المسموع يزمجر لاهثاً وراءهم يدعوهم إلى الامتثال للأوامر العسكرية وصوت خفي يدعوه لكي يتقدمهم. ـ لم نكن مهزومين فلِمَ نتراجع؟ ظل يرددها حتى أسكته صوت القائد: ـ يبدو أنك كبرت في السن وتحتاج للراحة مقدم حسام. حسام إيه .. رددها بداخله، وأنا لم أكن إلا عصا في أيديكم تقولون اضرب فأضرب، وتقولون أحجم فأحجم. احتضن انهزامه والقلادة العسكرية وعاد إلى بيته. تناسى كما تناسوا هم سنين عمله وكده واجتهاده، لكنه ظل يذكر أبناءه كما يناديهم دوماً جنوداً أحراراً. كان طوال ليالي الحرب الطويلة يحكي لهم عن الأرض والعرض، وعن الواجب وعن الوطن، لا يدري .. لم يحس أنه خذلهم بقرار التراجع كلما تذكر تلك الليلة إلا وعاد ليستجمع أوراقه ويرسم الخطة. هي زينب التي تحملت زمجراته وهواجسه وحكاياته. هي وحدها من تعودت أن تلمه من فوق أوراقه ليستريح على السرير المهترئ كما البيت وكما الأحلام التي تبخرت بعد ذلك اليوم المشؤوم. المعاش القليل ونظرات الناس التي لا ترحم، فزوجها يحمل وزر حرب لم يكن فيها إلا كحبة رمل في صحراء، وهو الآن يدفع ضريبة قيمة منحها الناس له اعتباطاً كلما كان يمر بينهم فيهللوا له كأنه صلاح الدين وهو عائد من القيادة كل مساء. كان البطل الخيالي في عقول رواد المقهى والناس البسطاء. كان أمامهم النصر مجسداً وبانكساره انكسرت أحلامهم وطموحاتهم فأصدروا حكمهم بتجريمه، فصارت زينب من المغضوب عليهم، ما دامت قد قبلت أن تعيش مع هذا الخائن المتراجع. حاولت مراراً أن تفهمهم، لكن هناك دائماً ذلك الأصبع الذي يرفض أن يشير إلى عجزهم عن فهم ما حدث، فتظل هي ضحية نظراتهم الغامزة وابتساماتهم الصفراء. لا تهتمي بهم، هم أناس لا يفقهون من الأمر شيئاً. هكذا أجابها ابنها الواعي المتعلم، كلمتان وحمل نفسه متذرعاً بأمور لا تقبل التأجيل. أمور تخص زوجته وأولاده. لم تعد زينب تبكي من الأمر وفقدت القدرة على الكلام إلا للضرورة القصوى، وصارت لا تجيد إلا الاستماع إلى حكايات زوجها عن الحرب والانتصار والانهزام، وهو يرسم خطة التراجع عن قرار التراجع، حتى صارت هي الأخرى تؤمن بها دون أن تدري. اقتربت منه أكثر وجلست إلى الطاولة بإصغاء تام. بالنسبة إليه الأمر سيان، فهو لم يعد يميز بين المسافات، ما زال صوته عالياً وعيناه زائغتين بين الأوراق المترامية فوق الطاولة ونظرات زوجته الشاخصة، والتي بدأت تؤمن بأن النصر آت لا محالة، ومعه فرج قريب قد يعيد مجداً اندثر. ليلى مهيدرة
#بلا_حدود