الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

من مال الله يا محسنين

قديماً قالوا أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، أما في عصرنا فصار الحال: أنفق ما في الجيب وأنفق ما في الغيب. الواحد منا يصرف ما عنده من ملكه والذي ليس من ملكه وينتظر المستقبل إن كان له نصيب من الراتب أو يمد يده لجهة ما لتراعيه وتدفع عنه القرض (من مال الله أيها المحسنون). يأخذ قرضاً من البنك للكماليات والصرف على أشياء غير ضرورية وغير أساسية كالسفر إلى شرق العالم أو غرب كرة الأرضية أو ليركب سيارة فارهة وفخمة ليتباهى بها أمام الزملاء أو ليلفت أنظار الناس إليه، على حساب أهله وأولاده الذين لهم حق في راتبه ومعاشه وربما يكون ثمن السيارة أضعاف ثمن بيت الذي يسكن فيه، أو الهدف من القرض امتلاك بيت أو فيلا بقرض من البنك بمبلغ خمسين أو ستين مرة ضعف راتبه، وربما يكون المبلغ المقترض كبيراً بحيث يستوجب سداده على سنوات عديدة ولا يعرف المقرض هل هو سيعيش ليدفع هذه الأقساط أم يكون وبالاً عليه يوم القيامة وتخصم من حسناته ليدفع أقساطه أو يأخذ سيئات الناس ليبدلها بأقساطه، فكل شيء قابل للعفو إلا الدين فإنه في ذمة صاحبه إلى يوم القيامة، ولا تبرأ ذمته إلا بقضائه حتى لو كان شهيداً، ودخوله الجنة مرهونٌ بذمته المالية في الدنيا. يقال إن ابنة عمر بن عبدالعزيز دخلت على أبيها وهي تبكي وكانت طفلة صغيرة آنذاك، وكان يوم عيد للمسلمين فسألها ماذا يبكيك؟ قالت: كل الأطفال يرتدون ثياباً جديدة في العيد وأنا ابنة أمير المؤمنين أرتدي ثوباً قديماً .. فتأثر عمر لبكائها وذهب إلى خازن بيت المال وقال له: أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهر المقبل؟ فقال له الخازن: ولم يا أمير المؤمنين؟ فحكى له عمر، فقال الخازن: لا مانع ولكن بشرط. فقال عمر وما هو هذا الشرط؟ فقال الخازن: أن تضمن لي أن تبقى حياً حتى الشهر المقبل لتعمل بالأجر الذي تريد صرفه مسبقاً .. فتركه عمر وعاد فسأله أبناؤه: ماذا فعلت يا أبانا؟ قال: أتصبرون وندخل جميعاً الجنة أم لا تصبرون ويدخل أبوكم النار؟ قالوا: نصبر يا أبانا. نعم هكذا عاش العظماء، تحملوا الفقر والجوع وكابدوا شدة الأحوال في سبيل المبادئ والعقيدة، فدخلوا التاريخ فكانوا بحق خير مُثل وأسوة للمسلمين أجمعين.
#بلا_حدود