الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

عشاء بطعم الموت

لو كان ثمة جائزة لأسوأ أخبار العام وأكثرها إثارة للتقزز .. لاحتل المرتبة الأولى عالمياً بلا منازع خبر القبض على شقيقين باكستانيين ممن عرفوا بآكلة لحوم البشر والذي نشرته بعض الصحف مؤخراً. ما إن سقط بصري على عنوان الخبر حتى تبادر إلى ذهني أحد أشهر أفلام هوليوود الذي شاهدته منذ عدة سنوات (صمت الحملان) الذي لعب بطولته الممثل البريطاني سير بوب هوبكنز بمشاركة النجمة الأمريكية جودي فوستر، والمقتبس عن قصة قاتل متسلسل من أكلة لحوم البشر كان يختار ضحاياه من الفتيات البدينات فيخطفهن بطريقة غامضة، ويحبسهن لعدة أيام دون طعام أو شراب كي يسهل عليه بعد ذلك سلخ جلودهن والتهامهن بطريقة وحشية. كما تذكرت قصة سفاح يوركشاير وغيرها من القصص المرعبة التي راجت خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي وأبطالها من أكلة لحوم البشر ومصاصي الدماء الذين يتفقون جميعهم في أنهم يختارون ضحاياهم من بين الأحياء ويقومون بقتلهم، وفي بعض الأحيان طبخهم والتهام لحومهم. وتصورت للحظة وأنا أتابع تفاصيل الخبر أنني أمام سفاحين جديدين من نوع أولئك الذين راجت قصصهم في أدبيات القرن الماضي ووجد بعضها طريقه إلى السينما، بيد أنني ذهلت حين فوجئت بأن الشابين الباكستانيين يقومان بنبش القبور بحثاً عن الجيف المتعفنة وحملها إلى منزلهما والتهامها تماماً كما تفعل بعض أنواع الذئاب والهوام التي تقدم على أكل جثث الحيوانات الميتة، إذ يقول الخبر إن شرطة باكستان قد عثرت على رأس صبي في منزل المتهمين عند قيامها بمداهمة المنزل في أعقاب شكوى من الجيران بوجود رائحة نتنة تنبعث من منزل الشابين الذين تبين أنهما خرجا من السجن منذ بضعة أسابيع بعد أن أمضيا فترة حبس لعامين لإدانتهما بتهمة أكل لحوم البشر .. ويمضي الخبر إلى القول إن جيران الشابين أفادوا أن المذكورين قاما بنبش القبور المجاورة والتهام أكثر من مئة جثة .. وهو قول قد ينطوي على كثير من المبالغة بشأن الرقم ولكن العثور على رأس صبي في مسكن الشابين يؤكد مزاعم الجيران حول قيامهما بأكل لحوم البشر.. بالإضافة إلى إدانتهما سابقاً بالتهمة نفسها وحبسهما مع سجناء آخرين لاشك أنهم تنفسوا الصعداء بعد قراءتهم خبر الشابين، وحمدوا الله على أنهم لم يصبحوا وجبة ساخنة للشقيقين أثناء وجودهما بمعيتهما في السجن. عادت بي الذاكرة إلى عدة أعوام خلت حين سرت شائعات قوية في إحدى إمارات الدولة تقول بأن شخصاً آسيوياً تم ضبطه وهو يقوم بنبش القبور الحديثة، وأذكر يومها أنه ترافق مع الشائعة خبر آخر يقول إن المتهم قد حكم عليه بالإعدام، وإن القصاص سوف ينفذ يوم الجمعة في ساحة أحد المساجد الكبيرة .. ونتيجة الشائعة فقد اكتظ المسجد يوم الجمعة بمئات الأشخاص من النساء والرجال الذين دفعهم الفضول لمشاهدة المتهم الذي سوف يوقع عليه القصاص رغم نفي الشائعة من أكثر من مصدر وفي أكثر من وسيلة إعلام .. ولكنه الفضول والرغبة في التشفي من ذلك المجرم الذي لم يراع حرمة الموتى وسمح لنفسه بأن يعبث بأجسادهم .. ومضى نهار الجمعة بأكمله دون أن يظهر متهم أو فرقة إعدام حيث انصرف الناس واقتنعوا بعدم صحة الشائعة وجنوح الخيال المريض الذي تفتق عنها. أما الآن وبعد نشر خبر الشابين آكلي لحوم الموتى فإن المرء ليتساءل: هل سنؤكل ذات يوم؟ وهل سيحدث ذلك بينما نحن أحياء أم بعد أن تدفن أجسادنا في التراب. أزعم الآن بأنني عرفت السبب وراء قيام الهندوس بحرق جثث موتاهم .. فلا شك أن ذلك حدث نتيجة خشيتهم من قيام بعض آكلي لحوم البشر بنبش قبورهم والتهام جثثهم خصوصاً إذا كان هؤلاء من خصومهم من الدول التي انفصلت عن الهند مثل باكستان أو بنجلاديش وهو أمر لا يروق بالطبع للهندوس الذين يفضلون حرق أجسادهم على تركها طعاماً للأعداء .. على طريقة العرب الذين يتحدون خصومهم بالقول: (أنا لحمي مر .. أو أنا لحمي ما بيتاكلش) .. وكأنهم أدركوا سلفاً أن البعض قد يقدم على التهام لحومهم ذات يوم، وهو أمر وصفه القرآن الكريم بأشد الأمور كراهة حين شبه الغيبة والنميمة بأكل لحم الميت وتحدى المخاطب (بفتح الخاء والطاء) بقوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) .. بمعنى أن الله تعالى يعلم بمدى ما يثيره الإقدام على أكل لحم الميت من تقزز ونفور وكراهة في نفس الإنسان لبعده ومجافاته للفطرة وإلى اللقاء.
#بلا_حدود