السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

جانب آخر من دبي

يحدث كثيراً لأبناء الإمارات أن يمروا بهذا الموقف: يستمتعون بالسياحة في بلد ما ويدخلون في حوارات صغيرة مع الناس هناك، فضول الناس يجعلهم يرغبون في التعرف إلى الغرباء، ومن أول الأسئلة التي تطرح في هذه الحوارات هو السؤال عن البلد الذي جاء منه السياح، فيقول أبناء الإمارات «نحن من الإمارات» فلا يعرف الناس هذا البلد، ربما يحاول البعض أن يستخدم الاسم الرسمي الكامل «الإمارات العربية المتحدة» لكن ذلك غالباً لا يكفي، فلا يجد الواحد منهم غير أن يقول إنه من دبي، وعندما يسمع الناس اسم دبي تتغير وجوههم وغالباً تصبح مشرقة: آه دبي! عرفوها وبعضهم سيتحدث عن أمنيته في زيارة دبي وكيف أنه معجب بها. صورة دبي هي تلك المدينة بمشاريعها العقارية الضخمة، برج خليفة وما يحيط به من مساحات رائعة، شارع الشيخ زايد والبنايات العالية على جانبيه، الفنادق الفخمة، المطاعم الفخمة، السيارات الفخمة، المطار الكبير المتطور، المترو الجديد، التجارة وفرص العمل، كل هذا وغيره هي صورة دبي عند كثير من الناس، وهي صورة إيجابية فكثير منهم يتمنى العمل في دبي أو على الأقل زيارتها مرة. لكن لا أريد الحديث عن كل هذا، أود الحديث عن جانب آخر من دبي، أشعر أنه جانب منسي أو لا يسوق بشكل كاف، وهو دبي القديمة، عندما تسير في شارع الشيخ زايد وترى البنايات الحديثة الزجاجية العالية بتصاميمها المختلفة ويعلو فوقها برج خليفة، عندما تسير في هذا الشارع فأكمل السير حتى تصل لآخره - إن كنت قادماً من جهة أبوظبي - وستصل إلى دوار كبير بجانب بناية عالية بيضاء هي برج التجارة العالمي، هذا البرج كان في الماضي بناية عالية حقاً وعجيبة بالنسبة لي عندما كنت أزور دبي في طفولتي، الآن أصبح صغيراً بجانب برج خليفة. المهم هنا الدوار، هذا الدوار هو في رأيي الفاصل الأول بين دبي بصورتها الجديدة ودبي القديمة، وإذا أكملت السير نحو خور دبي ستصل إلى دبي القديمة بشوارعها الضيقة، هذه المنطقة كلما زرتها تمنيت لو سرت فيها ماشياً في وقت بارد مناسب لممارسة التصوير هناك، لا أدري لماذا أشعر بذلك، لكنها منطقة تذكرني بجزء من ماضي دبي في ذاكرتي، كلما زرتها ورأيت بعض المحال أو البنايات القديمة تذكرت أنني كنت هنا قبل ما يزيد على 15 عاماً أو أكثر، وما زالت الأماكن كما هي لكن قد تتغير تفاصيلها. بالأمس كنت في زيارة سريعة لهذه المنطقة، مضى ما يزيد على 12 عاماً منذ أن زرت متحف دبي وأردت زيارته مرة أخرى، أنا وداود لا نعرف كيف نبحر في شوارع دبي القديمة أو الجديدة ولذلك طلبت خدمات سائق آخر ليذهب بنا إلى هناك وهو يعرف دبي جيداً. في الصباح خرجنا من أبوظبي عبر جزيرة داس وما إن وصلنا إلى طريق أبوظبي دبي حتى جمعت كفي واستقمت في جلستي وأغضمت عيني كأنني أمارس التأمل لكنني رحت في نوم عميق ولم أفق إلا ونحن نمر بجانب جبل علي، يبدو لي النوم كآلة للزمن، نمت في أبوظبي واستيقظت في دبي والفاصل بينهما ساعة ونصف تقريباً لكنهما في النوم مجرد ثوان قليلة! شارع الشيخ زايد دائماً مبهر بتفاصيله، البنايات الزجاجية التي أحياناً تبدو متشابهة جداً ومن الصعب التفريق بينها، المحال بأنواعها أسفل هذه البنايات، السيارات الكثيرة بأنواعها وأنا أحب السيارات ويعجبني أن أرى النادر منها، ولا شك هناك شيء جديد في هذا الشارع في كل مرة أزور دبي. عبرنا الشارع إلى الدوار ودخلنا إلى دبي القديمة وكلما اقتربنا من الخور أرى صوراً تذكرني أو تكاد تذكرني بشيء ما، لكن الذكريات تبدو كالضباب ولا يمكنني الإمساك بها، أتذكر بعض البنايات، بعض المحال، هناك محال لم تعد موجودة لكنني أتذكرها وأتذكر أماكنها. وصلنا إلى متحف دبي ونزلت مع داود وبقي عبدالقادر في السيارة، لأنه زار المتحف مرات كثيرة، ولم يعد يرغب في فعل ذلك مرة أخرى، بدأت أصور ولاحظت الزحام الذي علمت لاحقاً من عبدالقادر أنه ليس زحاماً بل اليوم عدد الناس قليل، اشتريت التذاكر وسعر التذكرة ثلاثة دراهم فقط! أول ما أدركته هو أن حجم المتحف صغير، مقارنة بالصورة في ذاكرتي، أتذكره أكبر من ذلك لكنه فارق العمر والحجم. من حولي جنسيات مختلفة، صينيون وكوريون وروسيون وأناس من دول أوروبية لا أعرف لغاتها، الهنود كثر كذلك ولم أجد عربياً واحداً هناك، تجولت في المتحف لأتذكره كما كان في الماضي، لا أظن أن التفاصيل تغيرت. متحف دبي متخم بالتفاصيل لكنني لن أتحدث عنها، كل ما أود أن أقوله هنا أنك إن زرت دبي فزر المتحف، يستحق أن تنفق من وقتك ساعة في رؤية وقراءة ما يقدمه المتحف، وعندما تقترب من باب الخروج ستمر بمحل للتحف، هناك كتب مصورة وكتب عن تاريخ الإمارات، اشترِ بعضها لنفسك وللآخرين. أردت بعد زيارة المتحف أن أزور منطقة البستكية وهي منطقة قديمة تحوي كثيراً من البيوت القديمة وفيها الكثير مما أود رؤيته، البستكية كانت على بعد شارع واحد فقط من المتحف، لكن عبدالقادر لا يعرفها وظن أنني أعني القرية التراثية، للأسف لم أرَ خرائط غوغل قبل أن أذهب لدبي وإلا لعرفت أنها على بعد «فرة حصاة» كما نقول، أي على بعد رمية حجر، لكن هذه فرصة لكي أزور دبي مرة أخرى، البستكية منطقة تستحق حقاً أن أخصص زيارة لها والتجول فيها، وتستحق منك أن تزورها كذلك.
#بلا_حدود