الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

العُمْرة.. اغتسال في بحر التوبة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ» متفق عليه. تدور الأيام بنا تبهرنا الدنيا بمغانيها ومباهجها ومفاتنها، تأخذنا الحياة بزحامها وضجيجها، تتسرب من بين أيدينا ثواني العمر، لكن لاشيء في الدنيا أجمل من شوق يحملنا على جناحيه ويغمرنا في بحر الهدوء والسكينة والمودة والرحمة، والاغتسال في نهر التوبة والمغفرة حول الكعبة أو في المسجد النبوي حيث يُستجاب الدعاء وتُغفر الذنوب، وهذا ما دفعني لأن اصطحب أسرتي لأعاود زيارة هذه الأماكن المقدسة معتمراً مرة أخرى، ولسان حالي يقول: لَمّا سمعتُ نـداءَ اللهِ يدعوني .. شددتُ مئزرَ إحرامي ولَبّيتُ وقُلتُ لنفسي جِدّي اليوم واجتهدي .. وساعديني فهذا ما تَمَنَّيتُ ذهبنا والشوق يحبو فوق ثواني أيامنا أملاً في مغفرة الذنوب، فالشوق شوق المحبين شوق الصادقين المخلصين الصابرين، والشوق باب مُشرع مفتوح لمن أراد أن يتواصل مع الله، والحقيقة أنه على من يسافر للحج أو العُمْرَة عليه أن يخلص النية لله، وأن يحرص على تطبيق سنة رسوله واتباع هديه، لأن سير القلوب أبلغ من سير الأقدام، فكم من واصل إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت، رغم أنه يتجشم آلاف المصاعب، كما يُستحب أن يتجنب الحاج أو المعتمر المخاصمة والمجادلة والمزاحمة، إلا أن الأمر في الباص الذي استقلينا من أبوظبي كان في البداية مختلفاً بسبب المشاحنة التي وصلت للجهر بالسوء من القول من البعض على المقاعد، رغم أننا خرجنا محملين بالذنوب آملين غفرانها، لأن أخطر شيء يُهدَّم الدين أن ينقلب في أذهان المسلمين إلى عبادات تُؤدى أداءً شكلياً، حينما ينفصل الدين عن الحياة، حينما لا يظهر في معاملاتك في بيعك وشرائك، ولا في جوارك ولا في نشاطات حياتك ولا في حركاتك اليومية ولا في غضبك أو رضاك، حينها يبتعد الدين عن الحياة ويُصبح طقوساً تُؤدى بلا معنى، والحقيقة أن ثمرات الخلق القويم من أجلَّ الثمرات لا يُلفت النظر في المسلم لا صيامه ولا قيامه ولا حجه ولا عمرته، لكن يلفت النظر استقامته، أمانته، صدقه، وفاؤه، تحمّله، بذله، تضحيته، أخلاقه العليَّة التي تتوهج من حوله والتي تنير للناس طريق السعادة. ورغم كل ما حدث كانت صحبة الباص أقدر على خلق مناخ روحي ملائم، ومهدت التربة الصالحة لكل شيء جميل ونبيل، لا سيما التراحم والتكافل والتسامح والمودة والتآخي، إذ إن الإيمان بالله والامتثال لأوامره ونواهيه فطرة إنسانية منقوشة في اللاشعور الإنساني، وهو ميثاق سري مأخوذ على الإنسان منذ يوم مولده، وكما الميلاد العذري للطفولة والفرح عبأنا الإخاء الروحاني بالضياء والصفاء والنقاء والأمل، والموقف حول الكعبة يغطيه نبات بشري مختلف ألوانه أغصانه تلك الأيدي المرفوعة بالدعاء إلى رب الأرض والسماء، الناس كلهم بلباس موحد ودعاء موحد (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). يستقطب البيت الحرام المؤمنين من جهات الأرض الأربع ليعبدوا ربهم في هذا المكان، جاؤوا ليعودوا في البعد الزماني إلى ماضي هذه الأمة، والبعد المكاني إلى الأرض التي نزل فيها الوحي، في الحرم ترفل القلوب بالبياض وتزدهر النفوس بباقات الفرح وتطرف عيون المحبين بحبور اللقاء، وتُخضب الأيادي بحناء اللهفة مصافحة، يتخلون عن وعثاء الجفوة والفجوة، ويستعيدون دعوات التبتل والمغفرة والرحمة، في هذا المكان تتجلى المشاعر ويتلهف الجميع لنزول الرحمات متناسين المنغصات متذللين لرب العباد، معلنين ما خبأته دفاتر القلوب متذكرين الأقارب الذين غيبهم القدر، يترحمون على أرواحهم يطلبون لهم المغفرة، والعُمَرْة عبادة زُينت بمحاسن وآداب لا يعقل ولا يُقبل أن يعود المعتمر منها كما ذهب، لا يعقل أن يتحرى سنة أو مستحباً ويرتكب من أجلها معصية، أو أن يتجاوز فريضة، تقبيل الحجر سنة أيعقل أن يدفع إخوانه أو يؤذيهم، وصيانتهم فرض من أجل سنة. أما في المدينة تُقَلًّبُ صَفَحات التاريخ المجيد من هجرة الحبيب حتى وفاته، كذلك صحابته الكرام حيث عاشوا هنا وماتوا هنا ففي كل زاوية أثر وعبرة، وعن الوقوف للسلام على الحبيب تقول له: «السلام عليك يا حبيب الله نشهد أنك أديت الأمانة وبلغت الرسالة ونصحت الأمة» هنا تُسكب العبرات وتنهال الدموع، هنا يطير الفؤاد شوقاً إلى خير خلق الله. العُمَرْة شأنها شأن الحج اغتسال في بحر التوبة والمغفرة، دخول إلى بدء جديد يطوي صحائف الفضائل كلها ويدسها في عمق نفوسنا فتظل تورق وتزهر إلى آخر العمر في معاملاتنا وسلوكنا فلا تمتد أيادينا بغير السلام ولا تنطق ألسنتا بغير الحق، نقفز فوق الصغائر نصعد عند تلة المحبة، فهل بإمكاننا أن نكون دائماً على هذه الصورة تسامحاً وحباً، أم أن هذه الرغبة تتعارض مع الطبيعة البشرية التي تنزع إلى الشر أحياناً، آمل أن تكون العُمَرْة غسلت الأرواح بطهارة المحبة والخشوع لله، وليس غريباً أن ترق القلوب وتشف وتتلاقى ونتسامح، وأن تسع صدورنا أخطاء الآخرين وهفواتهم، فلقد وقفنا على استحياء بين يدي خالقنا ومصورنا وبارئنا، بخجل الدنيا طرقنا بابه بثقل حمولنا من الذنوب ما زلنا ندعوه. يا رب ما عاد في القلب متسع لغير دعاء، يا رب ازح عنا غشاوة بصيرتنا حتى نرى الحق حقاً والباطل باطلاً، صحح بصرنا حتى نرى بوضوح عدونا من صديقنا، يا رب طهر نفوسنا من الأنانية والكبر والجهل حتى نوقن بأن الأرض ملكك وحدك والسماء سماؤك وحدك والخلق كلهم ملك يمينك لا إله غيرك ولا وحول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا من فيض الرضا والقناعة حتى تسكننا الطمأنينة، واغسلنا بالصفاء والنقاء حتى نسمو على هفواتنا وسقطاتنا. إن الشوق ما زال يأخذنا إلى مساحة أكبر وأكثر اتساعاً من الإيمان والرضا والقناعة بأن نتشبث بالصمود ونتمسك بالصبر ولا نفرط في رداء نسجناه بعمرتنا هذه بصلواتنا حول الكعبة وفي الروضة المشرفة، حيث تحلقت الروح فيها وامتلأت نفوسنا بهموم إخواننا في أرض الكنانة، وإن لهم حقاً مشروعاً ونصيباً مفروضاً في ابتسامة في فرحة لا تغيب في أمن بطول البلاد وعرضها، في طفولة هانئة في سلام واستقرار في كل بلاد المسلمين. هشام الماوي
#بلا_حدود