الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

الشيخوخة شمعة مضيئة

كلما تقدمت بنا السن فقدنا عدداً غير قليل مما كنا نملكه حينما كنا شباباً، ويرجع الإنسان إلى أرذل العمر وتخور قواه ويصبح عاجزاً عن التمتع بالقوة والحيوية والنشاط، فالشيخوخة مرض لا يقبل الشفاء شئنا أم أبينا، فمن بلغ منا هذه المرحلة كان كالشمعة المضيئة في ليلة ظلماء، تنير السبيل وترشد الأجيال وتهديهم إلى الصراط المستقيم. هذا رجل بلغ من العمر عتياً، ناهز الثمانين من عمره بين مقاومته لشيخوخته وأسقامه التي أقعدته طريح الفراش لا حول له ولا قوة ترجى، ما حدا بعائلته استجلاب عامل يقوم برعايته والاهتمام به، فلا ننسى الدور الذي لعبه الشيخ الكبير والذي أفنى حياته في تربية أبنائه ورعايتهم وتنشئتهم النشأة الصالحة تحت ظل جناحيه، مغدقاً عليهم من حبه الأبوي وحنانه وعطفه، فما كان منا إلا أن نرد الجميل بالجميل والإحسان بالإحسان. لم يكن المستخدم بقدر الأمانة التي اِستؤمن عليها ورعايتها كما ظن أفراد العائلة، فقد خابت كل الظنون والتوقعات فوقع المسن ضحية تحت بطش العامل. فصحّ ما قاله أبوالعتاهية: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب. فأخذ العامل أو المستخدم يتفنن في إيذاء من خارت قواه وأصبح عاجزاً في الدفاع عن نفسه، بعد تأكده من خلو المنزل تماماً، وثقته المطلقة بأنه من المحال أن يهرع أحد الأقارب لنجدة الأب المغلوب على أمره، مستغلاً مرضه وقلة حيلته وصعوبة نطقه. فذاق الشيخ المسن الأمرين من أصناف العذاب وأنواعه على يد من تجردت الإنسانية منه والرحمة والشفقة، فتارة يصفعه على وجهه، وتارة يكيل عليه وابلاً من الضربات بعصاه التي ما كانت لتعصي له أمراً وكان يتكئ عليها واليوم يضرب بها. فليس منا من لا يرحم صغيرنا ولا يوقر كبيرنا .. فنقول وبصوت خافت: على الإنسان أن يصغي إلى ما تمليه علينا ضمائرنا، متى؟ عندما تصمت الأهواء، ويطلق العنان للضمائر الحية بانتخاب الأبلغ والأصح من المنطق لتقود صاحبها إلى سلام دائم، فمن أراد أن ينعم بوسادته، فليكن ضميره وسادته، ويتقي اللـه سبحانه فهو حسبه. ما نصبو إليه ليس مناقشة الجريمة التي اقترفها المستخدم ضد الرجل المسن فحسب، بل لعل الأمر أخطر مما نتوقع. فلا ينسب الشر إلى فاعلي الشر وحدهم، ونقول حينها: الجزاء من جنس العمل، وتوجه جميع أصابع الاتهام للفاعل فقط، في حين أننا قد نغفل البحث عن الأسباب التي قادت إلى ذلك الفعل أو الجُرم أن يقع، ما يدفع بالنفس البشرية للاطمئنان والسكون وعدم تأنيب الضمير. بينما لو تأملنا في أبعاد ذلك الشر وفاعليه لوجدنا كذلك ينسب الشر إلى الذين يمكنهم تجنب الشر ولا يفعلون، فنصبح بذلك شركاء دونما أي تثريب. فلا يظن أحد أن لا مسؤوليات عليه، فالجميع مسؤول ومحاسب، فرفقاً بالذين كانوا سبباً في وجودنا وتربيتنا، وأن نرحم ضعفهم وكبر سنهم. فمن روائع أبي بكر الصديق رضي اللـه عنه في سياق مقالنا: إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. سعيد يوسف آل علي
#بلا_حدود