الأربعاء - 07 ديسمبر 2022
الأربعاء - 07 ديسمبر 2022

أخطر لصوص بريطانيا متخلف احتيالياً (1 ـ 2)

لا أعلم ما إذا كان الضحية الذي استوقفه أشهر لص بريطاني وشريكه الأسمر في دبي الأسبوع الماضي بحجة أنه ارتكب مخالفة مرورية وأن عليه أن يترجل من سيارته بغية تحرير المخالفة بينما هو يتوسل إليهما ويرجوهما إعفاءه من المخالفة قد لاحظ أن من يخاطبه شخص أوروبي لا تمت بشرته أو لون شعره أو سحنته بأي صورة من الصور إلى وجوه رجال الشرطة في دولة الإمارات الذين عادة ما يكونون من مواطني الدولة أو العرب ذوي البشرة السمراء والملامح المعروفة قبل أن يقوم أحدهم بتنبيه الرجل إلى أنه يتعرض لعملية سرقة بالحيلة من قبل شخص ثالث على علاقة بالرجلين اللذين استوقفاه ليلوذوا جميعاً بالفرار! وعلى الرغم من أن مرتكب الجريمة قد تم وصفه بأخطر مجرمي بريطانيا إلا أنني أعتقد بأن الأسلوب الجرمي الذي لجأ إليه في ارتكاب جريمته يعد أسلوباً قديماً ومتخلفاً للغاية مقارنة بالحيل الذكية التي أصبح يلجأ إليها مرتكبو مثل هذه الجرائم والتي تطورت تبعاً للتطور الحضاري والتقني والديموغرافي السريع الذي شهده العالم خلال العقود الأخيرة. فقد عرفت بعض جرائم الاحتيال في دول الخليج بداية مطلع الثمانينات من القرن الماضي ويوم كانت سيارات الأجرة تعد على أصابع اليد وتعود ملكيتها لعدد من الأفراد والأسر محدودة الدخل حيث ظهرت على سبيل المثال محلياً طائفة من المحتالين يقوم أحدهم باستئجار سيارة من إحدى الإمارات مدعياً أنه سوف يقوم بزيارة قريب له في إمارة أخرى ثم يتفق مع السائق على أجر محدد لا يتجاوز المئة درهم في معظم الأحوال، وعند وصوله إلى الجهة المقصودة يطلب من السائق التوقف أمام أحد المنازل والانتظار ريثما يعود إليه بأجرة المشوار من قريبه وبينما يبقى السائق منتظراً يكون المحتال قد غادر المنزل من الجهة الأخرى واختفى أثره دون أن يكون بإمكان السائق تقديم أي معلومة تفيد في البحث عنه، ويظل البلاغ مقيداً ضد مجهول حتى يفعلها المحتال مرة أخرى ويتم القبض عليه فيتبين أنه على صلة بالجريمة السابقة. ومع توفر المال في أيدي الكثير من أفراد المجتمع وازدهار الأعمال التجارية والاستثمارية، وتردد البعض على الدول الأفريقية بحثاً عن الفرص والعروض التجارية، ظهرت طائفة من المحتالين معظمهم من الأفارقة الذين يتعرف عليهم التجار خلال رحلاتهم الأفريقية ممن يدعون قدرتهم على مضاعفة الأموال عن طريق السحر والشعوذة، حيث بدأت سلسلة من جرائم النصب والاحتيال بادعاء مضاعفة الأموال يقوم من خلالها مرتكبو هذه الجرائم بجلب صناديق تحتوي رزماً من الأوراق المقصوصة بحجم ورقة المئة دولار وتغطيتها بورقتين أو ثلاث من العملة الصحيحة، وبخلط الأوراق الصحيحة ووضعها مع الأوراق البيضاء في سائل أزرق يتغير لونها حيث يقوم المحتال وبحركة سريعة بسحب الأوراق النقدية الصحيحة وإيهام الضحية الماثل بين يديه بأنه قام بتحويل الأوراق البيضاء إلى عملة صحيحة قبل أن يطلب منه إحضار مبلغ كبير من الأوراق النقدية لمضاعفته. وما إن يتسلم المحتال المبلغ حتى يختفي تاركاً الضحية في حيرة من أمره. هل يقوم بإبلاغ الشرطة ويفضح بذلك طمعه وجشعه وجهله، أم يلوذ بالصمت خوفاً من الفضيحة، وهذا حال معظم من وقعوا في أيدي أولئك النصابين الذين لم يقتصر نشاطهم على الأفارقة العاديين بل ظهر بينهم أبناء وزراء ومسؤولين كبار في بعض الدول الأفريقية وبمعيتهم أحياناً أوربيون إمعاناً في الاحتيال والتضليل. وفي أجواء الحروب والكوارث التي حلت ببعض الدول وأدت إلى انهيارها ظهرت طائفة من المحتالين (المرموقين) إذا جاز التعبير، يتحدثون لغة رفيعة، ولا يخالطون العامة بل يستهدفون أشخاصاً متميزين وأثرياء يخاطبونهم عبر الرسائل النصية (قبل انتشار الإنترنت) مدعين أن بحوزتهم أموالاً ضخمة من العملات الأجنبية، وأنهم أصبحوا نتيجة الأوضاع التي حلت بدولهم بحاجة لإخراج هذه الأموال من دولهم وجلبها إلى الدولة عبر قنوات طبيعية خوفاً من اتهامهم بغسل الأموال أو ما شابه حيث يقترحون على الضحية مساعدتهم على جلب هذه الأموال وسحبها من المصارف عبر حساباته مقابل نسبة مئوية من المبالغ التي لا تقل في كثير من الأحيان عن أربعة أو خمسة ملايين دولار، وما إن يوافق الضحية حتى يطلبوا مساعدته في إحضارهم إلى الدولة لمتابعة الموضوع حيث يأتي بعضهم ويلتقي بالضحية مدعياً أنه يقوم وشركاءه بمتابعة إجراءات تحويل المبلغ، وفي اللحظة المناسبة يدعي المحتالون أن الأموال التي كانت بحوزتهم لتغطية مصروفات تحويل المال قد نفدت، وأنهم بحاجة إلى بعض الأموال على سبيل قرض لمتابعة العملية، وما إن يتمكنوا بذكائهم وبراعتهم والهالة والبرستيج الذي يتظاهرون به من إقناع الضحية حتى يبدأ في دفع أمواله للمحتالين والتي قد تصل أحياناً إلى مئتين أو ثلاثمئة ألف درهم قبل أن يختفي المحتالون ويكتشف الضحية أنه شرب المقلب! ومن أجواء الحروب والكوارث إلى عالم السياحة والسياح الأجانب الذين يتوافدون على الدولة من شتى أنحاء العالم وعلى طريقة نجم الكوميديا الأمريكي ستيف مارتن (ابن آوى) وشريكه الممثل مايكل كاين، ورائعتهما فيلم (المحتالان الوغدان) الذي ظهر في العام 1988 من إخراج فرانك أوز وهما يتصيدان النساء الثريات والأنيقات في المنتجعات والمصايف الأوروبية، ظهرت طائفة أخرى من محترفي الاحتيال (الأنيق) هذه المرة والذي يستهدف محلات المجوهرات والبوتيكات الراقية حيث تشارك في الاحتيال سائحات أنيقات وبصحبتهن رجال يبدون في هالة من الوقار بعضهم متخصص في سرقة المجوهرات والمعروضات الثمينة عن طريق مغافلة البائعين، وبعضهم خبير بالماركات والعلامات التجارية العالمية متخصص في تحديد المسروقات المستهدفة ورسم خرائط تنفيذ الجرائم حيث شهدت بعض الدول سلسلة من الجرائم المرتبطة بالاحتيال. وفي الشارع ظهر محتالون من نوع آخر هم هواة العملات الذين يستوقفون المارة بدعوى أنهم يرغبون في التعرف على عملة الدولة، وما إن يخرج أحدهم محفظته ويبدأ بعرض النقود حتى يتمكنوا من سرقته وبطريقة لا يكاد يشعر بها إلا بعد فوات الأوان .. وفي الجزء الثاني نتابع سلسلة أخرى من جرائم الاحتيال وتطورها المستمر حتى الدفع برضا الضحية وابتهاجها.