الاحد - 04 ديسمبر 2022
الاحد - 04 ديسمبر 2022

مدن السيارات يجب أن تتغير

المدينة القابلة للمشي هي باختصار مدينة تسمح للناس بأن يعيشوا حياتهم من دون الاعتماد على السيارات، يمكن لأي شخص في هذه المدينة أن يعيش حياته من دون سيارة ولن يؤثر ذلك سلبياً فيه، لأنه يخرج من منزله إلى عمله ماشياً ويعتمد على وسائل النقل العامة المتوفرة، أو يركب دراجة هوائية أو حتى يمشي إلى عمله بلا اعتماد على أي وسيلة نقل. ولأن المدينة مصممة للناس فهي تسمح لهذا الشخص بأن يشتري ما يريده، يذهب لحديقة أو للشاطئ، يتجول في المدينة من دون هدف، ينجز معاملات رسمية، يخالط الناس ويجتمع معهم في أماكن متفرقة كالمقاهي، ويفعل كل هذا وغيره من دون سيارة. كلما فكرت في هذا الموضوع وقرأت عنه أجد زاوية جديدة لم أنظر لها من قبل، هذه المرة أنظر للموضوع من زاوية صحة الفرد، لأنني بدأت أشتري الطعام لنفسي وبدأت أعد بعض الوجبات. بدأت ألاحظ كيف يمكن للسيارة أن تؤثر فيّ سلبياً، لأنني لا أستطيع أن أخرج من المنزل وأسير لخمس أو عشر دقائق لأجد ما أريده، علي أن أستخدم السيارة لكي أذهب لمحل بعيد وأشتري منه. ولأنني أتكاسل بين حين وآخر أتوقف عن فعل ذلك لأنني أجد السير في الطرق مضيعة للوقت وكذلك البحث عن موقف، ومن ثم قد لا أجد ما أعده لنفسي فأضطر للاعتماد على الآخرين، وهذا يعني أن أتناول ما قد يكون طعاماً غير صحي. قارن هذا بمدينة مصممة للمشي، أو حتى مدينة توفر وسائل مواصلات عامة ممتازة مثل طوكيو، الفرد الياباني في هذه المدينة سيمر على العديد من محلات كونبيني، ويمكنه أن يشتري طعام يومه من هناك، كذلك كثير من المدن الأخرى حول العالم توفر خاصية تنوع مساحات المدينة، فيخرج الفرد من منزله ليجد معظم إن لم يكن كل ما يريده على مسافة يمكن قطعها مشياً، يعود أحد سكان هذه المدن من العمل ليمر على محل للخضراوات والفواكه، ويشتري احتياجاته ليوم أو يومين فقط، وبذلك فهو لا يحتاج لثلاجة أو ستكون صغيرة بقدر الحاجة، وسيعد طعامه بنفسه كل يوم فلا حاجة لطلب الطعام من مطاعم الوجبات السريعة، وهي وجبات غير صحية ولا يُعرف مدى نظافتها، بل في بعض المدن مفهوم الوجبات السريعة يعتبر غريباً، فالناس إما أن يأكلوا في بيوتهم أو يأكلوا في المطاعم والمقاهي في الساحات العامة. الجانب النفسي مهم كذلك، فرق كبير بين مدن الناس ومدن السيارات، زحام السيارات والوقت الذي يقضيه الناس في هذه الآلات يؤثر سلبياً في الناس. لا غرابة أن يكون المرء متضايقاً في سيارته أو حتى غاضباً سريع الانفعال من أي مشكلة صغيرة في الطريق، ولا عجب أن ترى الناس يصرخون على بعضهم بعضاً من سياراتهم، وبعضهم يفعلون ذلك من دون أن يفتحوا نافذة فترى منظراً غريباً لشخصين يحركان أيديهما ويتكلمان بصوت عال لا يسمعه أحد، لكن يكفي أن ترى تعابير الوجوه لتعرف كم الغضب الذي يحمله كل شخص. في مدن الناس الوضع مختلف، هناك فرصة أكبر لكي يسير المرء بلا خوف من أي سيارات، يمشي من دون أي قلق، يتواصل مع الآخرين كل يوم، يجتمع معهم في ساحات عامة وفي المقاهي والمطاعم والحدائق. ولأنه يمارس رياضة مفيدة كل يوم، فهو في صحة بدنية أفضل ممن يجلسون طوال اليوم في السيارة وفي المكاتب، ولأنه يتواصل مع الناس كل يوم فهو كذلك في صحة نفسية أفضل لأن التواصل الإنساني ضروري لأي شخص. هناك كتب ودراسات عن موضوع تأثير المدن في صحة الناس، أنا بحاجة لقراءة بعضها. لا شك لدي أن الوعي بموضوع تصميم المدن لتناسب الناس سيغير شيئاً في واقع مدننا، لا يعقل أن تزداد أعداد الناس وتزداد السيارات إلى ما لا نهاية، بعض المدن وصلت لحد خانق منذ عقود لكن لم يتغير شيء فيها. علينا أن ندرك أن مدن السيارات لا يمكنها أن تتسع بلا توقف، وتأثيرها سلبي في الناس والاقتصاد والبيئة، لذلك لا بد من العودة إلى تصميم المدن لتناسب الناس. ـ مدونات: عبدالـله المهيري https://abdulla79٫blogspot.ae