الجمعة - 02 ديسمبر 2022
الجمعة - 02 ديسمبر 2022

محاولة .. وتفاصيل

محاولة شكر ما زلت لا أصدق مضي عام كامل على أول كتابة لي، حسبت الزمن أشهراً معدودات وإذا هو اثنا عشر شهراً. ولا أعلم كيف أستطيع شكر الكتابة على ما أهدته لي من عمر صامت، لكنني أستطيع وبكل تأكيد شكر من أرغمني يوماً على الكتابة، أنا التي كنت كثيرة الحركة وقليلة الصبر، لذا كنت، بخزي، أكره الكتابة جداً. بلا شك سأكون كارهة للكتابة، كيف يمكنني أن أكتب إذا لم يكن في حياتي مقدار ذرة من صمت؟ وكيف يمكنني أن أكتب إن لم يكن في صدري سعة من الصبر؟ في ذلك العمر الذي حذفته نوعاً ما من ذاكرتي، كنت لا أطيق فكرة الجلوس ساعات لاستخراج كلمات باهتة ظننتها لا تحرك المشاعر ولا تلين القلوب، كنت أكره مسك القلم وكنت أكره كل تلك التعابير المجازية والتشبيهات التي كنت أسخر منها. وأسأل نفسي كيف يمكنني رد الجميل لمن أجبرني على الكتابة، وإذا بي فجأة أكتب أربعين مقالاً، إحدى عشرة قصة وخمسة عشرة خاطرة، كما أنني أكتب الآن قصة طويلة تتكون من عشرين صفحة. كنت صغيرة في ذلك الوقت، أما الآن فأنا لست كبيرة ولكنني بطريقة ما .. عجوز. كل من يتخم بالصمت يعتبر عجوزاً، إن لم يشخ شكله فقد شاخ قلبه، وأحب قلبي الذي ترفع عن صغائر الحياة وأصبح يشغله ما هو أكبر من ذلك بكثير. وأحب قلبي الذي يرى في الحزن جمالاً، وفي السعادة أيضاً جمالاً، ولكن بمقدار أقل، أحب قلبي الذي يستطيع المضي قدماً، وهو يعلم ما خسره جيداً، ولا يكترث. وكيف لي ألا أحب من له القدرة على أن يسرق مفاتيح قلوب من حوله، فيفتحها ويعرف نياتها، ثم يخرج بهدوء من دون أن يشعر به أحد، رغم أنه أوصد أبوابه بسلاسل حديدية عن قصد، كما لو كان يريد إغاظتي، يريد أن يريني كيف أستطيع الحصول على الجميع مقابل عدم امتلاك نفسي. كيف يمكنني رد الجميل لمن أخبرته يوماً بأنني لا أستطيع الكتابة، فأرغمني على القراءة؟ أنت الذي في لحظة تفوهت بكثير من كلام جارح، فضحكت، رغم أن كلماتك شقت طريقها نحو قلبي بسرعة، ولكنني رفضت أن يظهر ذلك على ملامحي. ثم سألتك بسخرية: ألا تظن بأن في كلماتك هذه مقدار من الألم؟ أتظن حقاً بأنني سأكتب بعد كل ما قلته؟ ولا أذكر بالتفصيل ما حصل بعد هذا، ولكنني أتذكر بأنك قلت لي بجدية: إننا لا نتعلم إلا بعد أن يعاملنا أحدهم بخشونة. أتساءل كم نتغير في عام واحد؟ لنحب ما كنا نمقت، ولنعلم فجأة كم من الشكر يستحق ذلك الذي كنا نظنه العدو، إنني أعتبر قلبي هذا من صنعك، ولا أعلم كيف أستطيع رد الجميل لك، سوى بتخليد ذكراك في خاطرة. سأحاول قدر المستطاع إيصال هذه الخاطرة لصاحبها. تفاصيل حزينة كيف يمكن لشخصين غامضين أن يتناغما؟ عن سذاجة، كان كل منا متخماً بالغموض، وكل منا يحاول أن يقتحم عالم الآخر من دون أن ندرك بأن غموضنا أصعب من أن يزال عنه الغطاء بسهولة، ومن دون أن ندرك أيضاً بأننا في الخفاء كنا نتحدى بعضنا، من منا سيكون أكثر ذكاء، ليكون غموضه متاهة يصعب على الآخر عبورها؟ وبعد الفراق أفكر، هل يا ترى كان حبنا شيئاً غير رغبتي المطابقة، لرغبته بربح الرهان؟ ابتسم في مرارة، لأن حبنا لن يموت يوماً، ليس لأنه كان قوياً في عنفوانه، بل لأننا بعد الفراق سنبقى غامضين وسيبقى كلانا يحاول الفوز في حرب صامتة، كيف يمكن إذاً لشخصين لا يتحادثان أن يفهما بعضهما من بعيد من دون حرف؟ بسذاجة أيضاً، كان صمتنا هو حديثنا وكلما ثقلت مساحة الصمت بيننا عنى ذلك أن مقدار الحزن في كلينا لا تتحمله بضعة جمل مواربة، نظراتنا كانت نافذة القلب إن لم تكن بابه، بنظرات مكسورة وسريعة كان كل منا يخطف صورة للآخر، ثم يمضي وكأنه لم ير شيئاً. كلانا غريبين، وغامضين بشكل مبهم، حيث يستحيل على أحد منا أن يعرف ما يدور في مخيلة الآخر، لذا كان لذلك الشخص مقدار من الإعجاب في قلبي، أنا التي بطريقة ما كنت أعرف كيف يفكر كل شخص، ما عداه. نحن دوماً نشتهي ما يصعب علينا التقاطه ونمقت ما يسهل علينا امتلاكه، هو يعلم ذلك جيداً، لذا كان يجد في ابتعاده راحة موجعة، وأنا كنت مثله، ولكن لسبب ما كنت أرى أنني معه فقط أستطيع قلب الميزان، وأستطيع بطريقة ما أن أبقى المشتهاة حتى عند اقترابي. كنت أشعر دوماً بأنني قريبة من ذاك القلب القاسي، والذي يحب دوماً تمثيل البرود حتى لو غدا كائناً من جمر. وفي الوقت نفسه، أنا بعيدة كل البعد عن تلك القلوب التي لا يمر يوم من دون أن تحادثني، أعلم جيداً بأن قلبه لي، ولكن ما فائدة امتلاك قلب يخاف الاقتراب؟ رداء الصمت الذي يكتسيه يرغمني على تتبع خطاه وأحداث صدفة من عدم، تلك النظرات المسروقة من طرف عين يبدو التعب عليها واضحاً، تكون مغرية في جرأتها. كانت أرواحنا تعزف بلحن، وكنت أحب ذاك اللحن، رغم أننا عندما نتقابل نضحك، ولا أعلم كيف، كنت أسمع في ضحكنا شيئاً من البكاء، شيئاً من الوداع، شيئاً من الانكسار. كنت وحدي أفهم ما يقصده في تفاصيله التي لا تكاد تلحظ، وبشكل مضحك ومبك في آن واحد، كنت أتعمد أن أشد على يده عند مصافحتي، كمن يقول في حركة اشتقت لك، وبكل أسى واستسلام. كان كفه يظن بأني هكذا أشد على يد كل من يصافحني، لذا لم يتجرأ يوماً على أن يرد الحركة نفسها. متى يا ترى، سيصبح الآخرون قادرين على تمييز تلك التفاصيل الصغيرة، ليعلموا كم من الحب نخبئه في القلوب، أهكذا تكون ضريبة الحب بصمت، حيث نكون ضحاياها الذين ماتوا من دون أن يعتقوا حباً ما زال حياً. ـ مدونة: وفاء https://wafowie.ahlablog.com