الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

تجديد شباب النبطي بسر الترياق (3-4)

من دون شك إن برنامج «البيت» معد بطريقة فنية محترفة، وخصوصاً لجهة عدم إحراج المشاركين فيما يتعلق بمستوى مشاركاتهم وتقييمها على الهواء مباشرة أمام ملايين الناس شرقاً وغرباً، سواء أكانوا من الشعراء المتمكنين أم من الشعراء المستجدين، ذلك لأنه يحفظ أسماءهم بسرية مطلقة، وهذا ما يجعلهم متشجعين، بل متحمسين لتكرار المحاولة مرات ومرات. يقول الشاعر محمد العبد بالمر أحد أعضاء لجنة التحكيم: «في الحقيقة إن الشاعر وغير الشاعر في الإمارات يستقبل الشعر، وهو يعرف كيف يتذوقه ويُقيّمه ويكتبه في أحيان كثيرة، لذلك لن تفوت على الناس أي هفوة، وبالتالي سيعرفون أن هدف جميع العاملين بالبرنامج هو خدمة الشعر، وإعطاء الفرصة للمواهب الجديدة، وإبرازها بطريقة سهلة وسلسة، إضافة إلى تعويد الناس على ذائقة الجمال. ويعلق بالمر على القصيدة الحديثة، مؤكداً أن الشعر يبقى هو الشعر، وأن دروبه ستبقى سالكة إلى قلوب الناس وعقولهم ومخيلتهم طالما ظل شعراً، وليس مهماً القالب فالمهم المضمون والبناء، ذلك لأن الشاعر يمكن أن يبني القصيدة وزناً وإيقاعاً، ولكن معانيها مفككة، فحينها لن تصل إلى أحد، والعكس هو صحيح، وهناك من ينظم ويبني، ويصول ويجول مع الأفكار بطريقة لافتة، حتى وإن كان مباشراً، ويخاطب أحداثاً أو وقائع معينة، إلا أن شعره يبقى ويستمر، لأن حفظ الوقائع والأحداث والمواقف التاريخية يحافظ على موروثنا الشعبي، ولا يقلل من شعرية القصيدة. ويوضح الشاعر بالمر أن الناس تقبل على الشعر الشعبي لأنه أقرب إلى ذائقتهم، ومخيلتهم وأحاسيهم وتصوراتهم لمختلف القضايا الحياتية من الحب إلى الحزن أو الفرح وسوى ذلك، وهذا ما يميزه عن الفصيح، ذلك أن إشكالية شعراء الفصيح أنهم نخبويون، أما الشعر الشعبي فيخاطب الأمير والفقير الصغير والكبير. عبقرية الصورة ربما من أهم ما يميز البرنامج بعبقريته الفذة التي تشحذ مخيلة قارضي الشعر أو هواته، بحك قريحة الإبداع الفارهة، القادرة على محاكاة الموضوع بأبعاده الجمالية والفنية والفلسفية، المحمولة على أكتاف المقول الشعري بكل شروطه، هي فكرة الصورة، التي تضع الشاعر بتحدٍ مع نفسه قبل أن يكون مع الآخرين، بشكل مكشوف أمام الجميع، سواء أكانوا شعراء أو غير شعراء، فالصورة أمامهم والقول الشعري كذلك، ولا مجال للمداراة، وعلى السهم الشعري الأنفذ أن يصل للهدف، ولن يكون له ذلك إلا بشرط أن يأتي بما لم تأت به الأوائل، لأن الفكرة تحلق عالياً وتسمو بالإبداع الشعري إلى المراتب التي تليق بالقصيد على كل المستويات. هدف نظيف الشاعر عوض الدرمكي عضو لجنة نبض الصورة يقول: «كنت من أكثر المشككين بجدوى الفكرة، لأنه من الصعوبة بمكان أن يكون الشاعر قادراً على تجسيد الصورة ببيت شعري واحد، فالعرب يتكئون على إرث طويل من الاسترسال في المطولات الشعرية، إلا أن التجربة خلال الحلقات العشر الماضية أثبتت أن فكرة سمو الشيخ حمدان أصابت المرمى بهدف نظيف محكم، وأعادت للشعر جماليته الثقافية، كما أعادت الشعر لأهله، ولم يعد بعد اليوم بضاعة من لا بضاعة له أو مهنة من لا مهنة له. ويوضح الدرمكي أن الفكرة بطبيعتها مستفزة بالمعنى الإبداعي، إذ إنها لا تترك الخيار للشاعر، لجهة طرق الموضوعات التي اعتاد أن يطرقها في السابق، لا سيما أن الصورة، وجميع الصور التي تعرض في هذه الفقرة هي حصرياً من الصور التي تلتقطها عدسة سمو الشيخ حمدان، ومعروف عن صور سموه أنها مرهفة وشفافة إلى أبعد الحدود، وتنطوي على محمولات ثقافية متعددة المستويات، وغنية بالرموز والدلالات المعرفية، فمثلاً صورة الحلقة الماضية، هي لشخص غامت ملامحه وظله مع مشهد صحراوي، فكان هناك عشرة أبيات كلها جميلة، والفائز صاحب هذا البيت الرائع بكل المقاييس. الأرض ساعة وظلّي عقرب الساعة تأخر المزن والساعة .. جفاف إلا ويلاحظ الشاعر عوض الدرمكي أن الشعر الشعبي كان قبل البرنامج يستعين بالمدونات والمطبوعات العامة أو المتخصصة، وفي جميع الحالات كانت إطلالته مواربة أو خجولة إلى حد ما، ولكن بعد إطلاق البرنامج فقد فتح الباب على مصراعيه، سواء لجهة العرض أو النشر، أو لجهة تحفيز القرائح والمخيلات، لا بل أكثر من هذا، حيث سيلعب البرنامج دوراً حاسماً في تخليق أجيال جديدة من الشعراء الموهوبين، نعم إن البرنامج أعاد للشعر الشعبي سيرته الأولى، وأعاده إلى وجدان الناس. الطابق المستور تقوم آلية البرنامج على استقبال المشاركات، حيث يُظهر «السيستم» المُعد خصيصاً للبرنامج، المشاركات ويحتفظ بأسماء أصحابها وأرقام هواتفهم، حيث تحصل عملية التقييم أو «الغربلة الفنية» على أساس الشعر فقط، فتقوم اللجنة بفرز الأشطر المؤهلة شعرياً، وتستثني الأخرى التي لا تستجيب لشروط البرنامج. وبالتالي هذه الطريقة تترك «الطابق مستوراً» كما يقولون، لأنها تحفظ ماء وجه أصحاب المشاركات التي لا ترتقي إلى المستوى الشعري، وفي الوقت عينه تضمن تطبيق معيار الشفافية الخالصة في الاختيار والحذف بآن واحد. فريال إبراهيم
#بلا_حدود