الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

من مذكرات طالب

هو اليوم الفاصل، دروب اثنتي عشرة سنة مغلفة بأوراق كتب عليها حروف وأرقام وجمل وكلمات. تفصل سطورها خطوط مقطعة أو منقطة تركت لنكتب عليها ما نشاء. الامتحان، وما أدراك الامتحان؟ ذلك المحبوب الذي ندرس لأجله، وحاضن تلك الأرقام التي نطمح للوصول إليها، وكاشف للعلم الذي تخفيه العقول. استعددت لموسمها بأسلحة ممتلئة الذخيرة، سواء كانت أقلام حبر ملونة، أو أقلام رصاص. وحاملة للأسلحة تدعى أحياناً بالمقلمة. فسهرت الليالي لأني طلبت العلا، واجتهدت بفتح كتبي حتى اطمأن قلبي، فقيل عني إني درست فرضيت فأمنت فنمت. وبكل طاقات التفاؤل استيقظت، وعلى تلك الشحنات الموجبة نهضت، حتى دخلت قاعة الامتحان بعد تفتيش تام الأركان لأواجه هجمات الأعداء.. كتبت اسمي بثقة .. فتحت أولى الصفحات حتى رأيتها سوداء معتمة. تذكرت .. أنا لم أخلق يوماً للدراسة .. ولا أملك من العلم لا درهماً ولا ديناراً! جودة عقلي كجودة المنتجات المطبوعة عليها «صنع في الصين»، تكون قوية حتى ساعة الاختبار الحقيقي تنكسر. ظننت يوماً أنها مسألة أكون أو لا أكون، حتى أدركت يوماً أني دوماً لا أكون .. قد أقول إن الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح وأستثني القرطاس والقلم .. ولكني سأصدق إن قلت إني أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم. فأتبع الكلمات بملحوظة، إنهم نظروا واستمعوا إلي وفي وجوههم شفقة علي! تفاءلت ظناً بأن الأستاذ رحيم وسيرحم .. سهرت ليالي على مباريات وبرامج مواهب لأنها برأيي أنفع، وعليها من المجتمع إقبال أكثر.. فتحت الكتب حتى أنفض الغبار من على جلدها، فهي أمانة سأردها في نهاية العام. لكن .. ما زلت لا أفهم، لم لا يجعلني حضرة المراقب أنام بسلام؟ ألم يقل بأن نوم الظالم عبادة؟ لم يحب تصوير عباد الله النائمين الآمنين؟ أهي هواية أخرى تدعى هواية جمع صور النائم؟ أم إنه استعراض لأن هاتفه الأحدث بين هواتف زملائه المراقبين؟ أفي هذا الامتحان تحد أم إعجاز؟ أو ربما إعلان حرب من طرف واحد! وتبقى الوريقات في النهاية امتهان لقدرات عقل الذات. ما لا يروق لي في هذه الحرب هو سلاحهم المستخدم في قتلنا نحن معشر الطلاب المستضعفين في الأرض. صعوبة الامتحان تعتمد على مزاجه طبعاً - أو بالأحرى مزاج زوجته -، وها هو يأتي بطلاسم لا يجيد قراءتها إلا المشعوذون، ويكتب في آخر الصفحة «مع تمنياتي لكم بالتوفيق» وفي رواية باطنية يقصدها «حاول أن تنجح!». هذه الأوراق - وبكل رحمة - سترمى وتحرق ويتخلص منها بالطرق الشنيعة عن طريق الطلاب، أو ستوضع في خزانات لا يعلم أماكن مفاتيحها إلا عالم الغيب سبحانه، فتتأثر بعوامل التعرية والتجوية التي تحدث في الخزانة، فتغبر وتصفر وقد تحمر من حرارة الصيف الجهنمية، ولكن تبقى هي الورقة التي حددت مصير أجيال وآباء أجيال! هكذا .. وأبقى أنا الطالب «المميز» الذي يدعى بـ «الفاشل».
#بلا_حدود