الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

مُهرة وفاتِنة

مع بزوغ الفجر هَبَّت نَسمةٌ على ربيبة المدينة الفاتنة، وتبعتها حتى دخولها البستان، لمحت الفاتنة مثولها، فلم تكترث لها وما راعها تزلف النَسمة ولا التجمل، أمست الفاتنة بالبستان شَذا ثـماره، لكنها تأبى لطيبها نظيراً يُجادِل، ألوان النعيم امتزجت بحسنها، فما ألفت ثـمارَه أو تذهل. تُطالعها الأزهار بشغفٍ فلا رَقّت لهن أو تأملت .. تهم بالخروج والنَسمة تَتَودّد لها مِراراً، برغم أنها لم تتوسم فيها خيراً أو قبولاً، ولجاجة وسيمة إذ تُماطِل، وبالغَريم غرور جاثِم لم يَترجّل. تأنَّت الفاتنة في سَيرِها.. فجأةً توقفت.. وفوراً أزاحتها بالأنامل. ثم قصدت مكان الخيول في حقل ربيب الطبيعة الخضراء جدها العجوز، حاملة معها حلماً لا يليق بقدراتها، ولا يطيقه المراد، حيث ترتفع في الأفق جبال شاهقة، وتنتكس في البسيطة الخضراء راية التلوث البيئي الذي تغلغل في أعماق الأرض بفعل المدنية وسكان المدينة. خاطبت مُرادها: أريد ترويض عنادكِ أيتها المُهرة! فاستخفت بها عزيزة الطبيعة: تفضلي دونكِ الغرور، افعلي ما أنت عازمة عليه إن استطعت! أخرجتها إلى الحقل في رحلة محفوفة بالمخاطر، أمسكت لجامها متأهبة لركوبها، وقالت غير آبهة لخطورة عزمها: لا يوجد غيري من يروض جُموحك أيتها المنتفضة العنيدة. وقف جدها يرقب المشهد المربك من كوخه من خلال نافذة غرفته المطلة على الحقل، يُمَرغ لحيته الكثة حول حنكه بأنامله. هاج كبرياء المُهرة حين امتطت الفاتنة صهوتها، إذ تمايلت وتقافزت حتى أسقطتها أرضاً، حاولت الفاتنة النهوض من سقوطها على مضض، فتوجهت المُهرة مباشرة نحوها، استدارت بجسمها ورفستها بحافر قدمها على بطنها رفسة طفيفة أسكنتها مكانها، وقالت لها: لا أستجيب لأيد قليلة الخبرة في هذا المجال. ردت الفاتنة الشابة على كلامها متألمة: يا لغرورك! قالت المُهرة وهي تمشي الهوينى: يا لعنادك! أسرع جدها لنجدتها، أعانها على القيام، واصطحبها إلى داخل الكوخ، أجلسها رويداً على كرسي خشبي بجوار موقد النار، أحضر خشب الموقد، ورتبه فوق بعضه، ثم أضرمه ليشوي بصلة غرزها في قضيب الشواء. مَرّغ موضع الألم بزيت الزيتون، ثم وضع عليه وريقات البصل المشوية، وأوثقها بقطعة قماش طويلة لفها حول خصرها، أنّت من الألم، فسكنها بقوله: لا بأس عليكِ عزيزتي سيساعد هذا في إزالة الألم، ثم ربت على كتفها، وأوصاها قائلاً: لتحقيق ما تصبين إليه، عليكِ بالرفق واللين والتأني مع مرادك. ثم اصطحبها متأبطة ذراعه إلى الحقل قاصدين المُهرة، عَقَدَ بينهما صُلحاً مشروطاً، أن تطعمها وتسقيها الماء صباحاً ومساءً، وتمرغ جسمها بفرشاة التنظيف، ومسح حوافر أقدامها عقب امتطائها، تَثَاءَبَت المهرة، وَتَمَطَّت مزهوة، بينما شعرت الفاتنة بالإهانة والملل، ورضخت لحنينها إلى المدينة.
#بلا_حدود