الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

المجتمع المدني من المفهوم إلى الإجراء (2-2)

مع الوضع في الاعتبار ألا تنجرف المؤسسة المدنية وراء تمويل أشخاص أثرياء بعينهم كرجل أعمال بعينه أو مستثمر ما أو غيرهما، حتى لا يتحكموا في مقدرات المؤسسة أو الهيئة أو المنظمة المدنية، أو يتحكموا في نظامها العام أو مبدأ من مبادئها، وإلا فقدت أهميتها. إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن تكون مؤسسات الأعمال الخاصة التي يقودها رجال أعمال مشهود لهم بالوطنية والتدين أن يكون لهم دور في النهوض بمؤسسات المجتمع المدني وإرساء قيم المواطنة وحقوق الإنسان ومبادئ التكافل الاجتماعي. ولكي يتحقق هذا الدور يجب مراعاة الآتي: أولاً: أن يبتعد رجال الأعمال عن مبدأ الارتزاق، لأن المجتمع المدني مبني في الأساس على التطوع الحر. ثانياً: أن تكون مساهمة رجال الأعمال للمؤسسة المدنية في ضوء الخطة العامة التي وضعتها المؤسسة لنفسها. ثالثاً: أن يبتعدوا عن العبث بالهيكل الإداري والتنظيمي للمؤسسة. رابعاً: ألا يفرض رجال الأعمال على المؤسسة شيئاً نظير ما يقدمونه من خدمات. خامساً: لا مانع من أن يراقب رجال الأعمال أوجه الصرف الخاص بالمبلغ المتبرع به أو غيره من أوجه التبرع. وليس من المنطقي والمؤسسة أو الهيئة المدنية تنظم شؤونها الداخلية بين أعضائها وفق مبدأ الحوار القائم على الأسس الديمقراطية التي ارتضاها الجميع أن تقع فيما يخالف هذا المبدأ أو هذه الأسس، فتكون بذلك قد انتهجت نهجاً لما عليه الديمقراطية التي ارتضتها الدولة المتقدمة، ومن ثم كان من أسس التعاون بين المجتمع المدني والدولة أن تكون المؤسسة المدنية صورة ناصعة تعكس ما عليه ديمقراطية الدولة، فلا تكون في وادٍ والدولة في وادٍ آخر. ومما يجب على المجتمع المدني أن يكون شريكاً في عملية التنمية في المجتمع على المستويات كافة: الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية أيضاً، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت هناك آلية للتوافق بين المجتمع المدني والدولة، فإذا كانت هذه الآلية حاصلة وتتسم بالفعالية كان المجتمع بمشتملاته الثلاثة «مجتمع عام ومجتمع مدني ودولة» مجتمعاً فاعلاً وديمقراطياً يراعي حقوق الإنسان، خصوصاً المرأة والطفل. وإن لم يكن حكمنا بسهولة على هذا المجتمع بأنه لا يؤمن بالمجتمع المدني ولا بالديمقراطية وأنه يريد أن يتقوقع في مكانه. ومن ثم كان على المجتمع المدني بصوره المختلفة أن يكون مؤمناً بمبادئ الشورى والديمقراطية، وأن يكون عامل بناء في إقامة صرح ديمقراطي يباهي به الأمم المختلفة، وحتى يتحقق ذلك كان عليه، أي المجتمع المدني، أن يبدأ بنفسه مصداقاً لقول الله تعالى: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم» (سورة البقرة: 44)، وتأكيداً لقول الشاعر: ابدأ بنفسك فانهها عن غيها .. فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فلا يصح أن تكون المؤسسة المدنية معول هدم في البناء الديمقراطي فلا تؤمن بمبدأ التعددية، ومن ثم تؤسس الرابطة بينها على أساس جنسي أو عرقي أو ديني أو طبقي أو غيرها من الروابط التي لا تؤمن بهذا المبدأ، ولكن عليها أن تسهم في إزالة أي لون من ألوان الفرقة بين أبناء المجتمع، فإن فعلت دل ذلك على مظهر من مظاهر التعاون بينها وبين المجتمع، لأن مبدأ التعددية يعني، في التحليل الأخير، أننا أمام مجتمع يتسم بالحراك السياسي الإيجابي، وتزول فيه كل مظاهر التعصب والأنانية، فيؤدي ذلك إلى تحقيق السلم العام للمجتمع. وهذا ما ذهب إليه هيغل عندما أسس فكرته عن المجتمع المدني على أساس ارتضاه قوامه: أن الإنسان بقيمته كإنسان، وليس على أساس عقدي أو جنسي أو غيرهما. والله سبحانه وتعالى كرم بني آدم فقال في محكم تنزيله: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) سورة الإسراء، والملاحظ في الآية أن التكريم هنا ليس منصباً على جنس معين ولا أهل عقيدة معينة، وإنما التكريم يشمل كل بني آدم على اختلاف عقائدهم وأجناسهم وألوانهم ومذاهبهم وغيرها، مما يدل على الاهتمام بقيمة الإنسان كإنسان كدليل على الالتزام بمبدأ التعددية. كما أنه لا يصح أن تتشدق المؤسسة بالديمقراطية في الوقت الذي لا تؤسس نظامها وهيكلها على أساس غير ديمقراطي فترتضي الانتخابات الشكلية، ولا تساوي بين الرجل والمرأة. وقد رأينا كيف ثار شباب حزب الدستور في مصر على قادة الحزب عندما تبين لهم أن انتخابات الحزب تدور بطريقة شكلية وترتضي إجراءات غير ديمقراطية، لأن الأمر بذلك يتنافى مع مبدأ الحرية القائم، من ضمن ما يقوم، على حقي في الاختيار، فضلاً عن أن ذلك يتنافى مع الدين والقانون والدستور، ومن ثم كان على المؤسسة المدنية أن تحترم الدين، فلا ازدراء للأديان ولا تقليل من شأنها، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه، أو حمله فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس كنت حجيجه يوم القيامة». كما أن على المؤسسة المدنية أن تحترم أحكام القانون والدستور الذي ارتضاه الشعب، فلا تسير في غير ظل الدستور والقانون، فتكون بذلك قد ارتضت أن تكون عدواً لأبسط مبادئ الديمقراطية التي جاء المجتمع المدني ليعضدها ويؤسس لها، ومن ثم فاحترام القانون مظهر من مظاهر التعاون بين الدولة كسلطة والمجتمع المدني مادام القضاء سلطة تحتفظ باستقلاليتها عن السلطة الحاكمة. ومن ثم فإن دور المجتمع المدني في بناء الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والتعليمي يعد أحد المظاهر الدالة على الشراكة الحقيقية بين المجتمع المدني والدولة. فعلى المستوى الاجتماعي يجب أن يحارب المجتمع المدني الدولة في القضاء على الفقر والجهل والبطالة بتفعيل البرامج المؤدية إلى القضاء عليها، ويتأتى ذلك، فيما يتعلق بمشكلة الجهل، بمشاركة هيئة محو الأمية في وضع البرامج الكفيلة بمواجهة المشكلة وتفعيلها، خصوصاً إذا كانت تملك الكوادر القادرة على ذلك، ومشاركة وزارة التربية والتعليم في وضع حد لظاهرتي: تسرب التلاميذ من التعليم وعدم إتمام بعض التلميذات تعليمهن، لأنهما من العوامل الأساسية في انتشار الجهل. وعلى المستوى السياسي يجب على المجتمع المدني أن ينشر الوعي السياسي في جنبات الوطن خصوصاً في المناطق العشوائية والمناطق الفقيرة، ويكون محور عملها حول الموضوعات الآتية: أ ـ المشاركة السياسية الفعالة طريق تقدم الوطن. ب ـ الحوار السياسي لا النزاع السياسي أساس العملية السياسية. ج ـ الحقوق السياسية للمواطن والواجبات. د ـ توضيح بعض المواقف السياسية دون تحيز. ه ـ الحزبية السياسية للمواطن لا تعني الانشقاق والفرقة.
#بلا_حدود