الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

تهديدات «بيت المقدس» والمروق من الدين

في تسجيل بالصوت والصورة، انتشر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي تهديد صريح لا يحتمل المواربة ولا التأويل من جماعة إرهابية تختبئ خلف الدين تُدعى «أنصار بيت المقدس»، جاء فيه كلام غير عاقل وغير سوي ولا متزن يخاطب فيه المجرم المتحدث جنود مصر البواسل داعياً إياهم للنجاة بأنفسهم.. هذا الخطاب الإجرامي، وهذه اللغة التهديدية والتخريفية على جنودنا، إنما يحمل في جوفه مغالطات دينية لا حصر لها، وهذه المغالطات ليست غريبة أو جديدة على مثل هؤلاء المجرمين، فكثيراً ما يدعون شرف الدفاع عن الإسلام مع أنهم أول من ينتهكونه، إنهم كالخوارج الذين استباحوا دماء الصحابة ثم عاتبوا بعضاً منهم على أكل ثمرة حرام! هؤلاء الآثمون يظنون بهذه التهديدات الإجرامية أنهم يخيفون جنودنا، أو يرعبونهم، دون أن يعلموا أن أهل الحق لا يخافون أبداً، بل يدفعون أرواحهم طيبة بها نفوسهم في سبيل الوطن، وفي سبيل الحق، وفي سبيل الله الحق والعدل، ألا يعلم هؤلاء أن الجندية في الاسلام الذي لا يعرفون عنه سوى اسمه شرف لأصحابها، لأنهم يسهرون على أمن المجتمع وقضاء حوائج الناس. أليس الأمن والأمان هو أولى واجبات هذا الإسلام، ألم يدع الخليل إبراهيم ربه بأن يرزق بلده الأمن والأمان (رب اجعل هذا البلد آمناً) .. ذلك أن الأمن فيه معايش الناس، وبدونه لا معاش لهم، وفي ذلك عبر القرآن الكريم بقوله (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، فربط بين الأمن والاقتصاد في مثل قرآني فريد لا يحتمل التأويل على غير مراده. لقد حملت تلك التهديدات الآثمة مغالطات ثلاثاً لا تستقيم مع عقل أو دين أو منطق. أولاً إنهم وجهوا تهديدات إلى الجنود، ألم يصلهم الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم «عينان لا تمسهما النار أبداً، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»، وهؤلاء الجنود هم العيون الساهرة على حدودنا لحمايتنا من الأعداء المتربصين من كل جانب. وثانيها، لم ينزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيح قتل المسلم لأخيه المسلم تحت أي بند، ألم يصلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد عصم بها دمه وماله وأمره إلى الله»، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بحديدة في يده»؟ حتى مجرد الإشارة بيد السوء نهى عنها الإسلام أتباعه، فكيف بالقتل «ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها» .. ألا تحرم كل هذه النصوص دماء الجنود على هؤلاء الآثمين إن كانوا يفهمون هذا الدين؟ هل من الدين، أي دين، أن يُطرح الجنود العزل أرضاً ويطلق عليهم الرصاص .. لم يفعل هتلر بجبروته مثل هذا الفعل، ولم يرد عن النازيين مثل هذه الجرائم ولكن تُرى هل يسمعون، وإذا سمعوا فهل يفهمون؟ أما ثالث تلك المغالطات فهي دعوتهم إلى هدم الدولة وسيادة شريعة الغاب، فتهديدهم للجنود، وحثهم إياهم على البحث عن عمل غير الجندية، دعوة صريحة إلى اللادولة، إلى دولة الميليشيات والطائفية، دولة الغاب، وشريعة الغاب التي يسودها مبدأ البقاء للأقوى، دون أن يعلموا أن الإسلام ديناً ودولة، الدين القاعدة والدولة البناء، الإسلام جاء ليبني دولة لا ليهدمها، ودولة المدينة كان فيها اليهودي والنصراني والمسلم، الكل يعيش وفق دستور وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في أمن وأمان ما التزموا عهودهم، ولم يتعد المسلمون على أحد منهم إلا إذا ما نقضوا عهودهم وركسوا وعودهم. إن هؤلاء يأتون بدين جديد، دين لا يعرف عن أي دين أقل شيء، دين يبيح القتل والعنف والظلم، دين يتلذذ بسفك الدماء، دين يعشق السادية والمازوخية، دين يخرب البلاد ويشرد الآمنين. إن جميع هذه الحركات المتأسلمة إنما خرجت من عباءة واحدة، داعش مثل أنصار بيت المقدس مثل كتائب حلوان مثل أنصار الشريعة، مثل شتى الجماعات المتشددة، كلهم في الإثم سواء، ولو تمكنت هذه الجماعات -لا قدر الله - منا لذبحوا أطفالنا واستباحوا نساءنا وهجّروا شركاء وطننا من النصارى، وباعوا بناتنا بالمزاد العلني سبايا وذرايا، هذا ما يريدونه، وهذا ما يسعون إليه بتمويلات مقصدها الرئيس هدم الدولة وعودة شريعة الغاب، وهو ما لن يكون بإذن الله. إن هؤلاء البغاة قتالهم واجب شرعي وديني وأخلاقي بالمقام الأول، فمن قاتلهم وقُتل فهو شهيد، أما قتلاهم ففي النار خالدين فيها لأنهم هم المعتدون، ولأنهم أول من سعى إلى إهلاك الحرث والنسل وإشاعة الفساد في الأرض. ثم أتوجه بالسؤال إلى تلك العقول الخربة، والذمم العفنة، والضمائر الميتة، لماذا مصر بالذات هي مطيتكم، هل عدلتم عن الجهاد الحق إلى استباحة دماء المسلمين، لبئس ما تصنعون، ولبئس ما تنتهجون، والله وحده يعلم ما تخفون وما تعلنون.
#بلا_حدود