الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

الرواية التي دقت ناقوس الخطر

يطلق النقاد على رواية عناقيد الغضب للكاتب الأمريكي جون شتاينبك «كوخ العم توم» لأنها دافعت عن رقيق القرن العشرين، والتي عرض فيها مصير آل غور في ظل الأزمة العالمية عام 1930 وهي تخوض معركتها ضد الفقر والبؤس والتسليم المطلق للمجهول والطبيعة التي تضامنت مع ملاك الأراضي والإقطاعيين في إلحاق هزيمة ساحقة بهم. ذات فجر، استيقظت العائلة على ذلك المشهد المخيف حين غطى الغبار كل شيء، حقول الذرة والسياج والسقوف فكانت (الشمس حمراء التي لم ترسل أي نور) ما حمل نذير شؤم وكارثة سقطت على رؤوسهم، فلا قدرة لهم على سداد تلك الديون من البنوك أو حرث الأرض من جديد بعد أن تشققت التربة بسبب الجفاف، ما أضعف أي أمل بقطف محصول الذرة لتكون العائلة أمام خيارين أحلاهما مر! فإما الموت جوعاً في ولاية أوهايو أو النزوح إلى الغرب إلى ولاية كاليفورنيا حيث الزراعة الوفيرة وحقول الفواكه الشاسعة، لكنه يبدو أنها (فرت من جحيم لتقع في جحيم آخر)، ففي كاليفورنيا تواجه العائلة وضعاً لا يقل قسوة واستغلالاً عنه في أوهايو، فكبار الملاك يتشابهون في ابتزازهم وازدرائهم لهم والنيل من كرامتهم رغم أنهم يشتغلون ساعات طويلة وشاقة بمبالغ زهيدة لا تسد رمقهم في نظام رأسمالي يتشدق بقدسية الحياة ويموت فيه مئات المزارعين والعمال جوعاً، في الوقت نفسه الذي تتلف فيه آلاف السلال من الفواكه كي لا يساعد وجودها في السوق إلى خفض أسعارها، أو إتلاف مزارع القطن أو البن للسبب ذاته. لكن يبقى الخيار التزود بالصبر(الصبر يا توم هو رمز قوتنا)، هي الحكمة التي استخلصتها الأم من تجارب قاسية مرت بها، حين رأت أن طوفان الغضب ربما يدفع أبناءها إلى التمرد والعصيان بعد السير الخائب وراء سراب الحياة الرغيدة في كاليفورنيا، وعلمتهم أيضاً (أن بسطاء الناس أقدر على مواجهة الحياة). إن جون شتاينبك لم يلجأ للرمز في روايته أو يذهب بمسارات غامضة في طرق التعبير بل كان واقعياً في نقل معاناة الفقراء وتصوير حياتهم اليومية المغمسة بالذل محذراً (في أرواح الجماهير تنمو ثمار الحقد وتمتلئ يوماً بعد يوم حتى تحين ساعة قطافها). تلك الهموم الإنسانية التي تدفع الناس إلى الأحقاد والثورات كانت قريبة من حياة المؤلف الشخصية ولها الأثر الكبير في صياغة الملامح الدقيقة والبناء المحكم لهذه الرواية، فقد عمل فلاحاً وعاملاً في جمع الفاكهة، وحارساً ونجاراً ومخبراً صحافياً لكن هذا العمل الروائي والاحتجاجي على حياة وضيعة يعيشها المزارعون لم ترق للجنة مكارثي، فتحركت ماكينة الدعاية ضده، فالرواية انتقاص صارخ من القيم الأخلاقية للمجتمع الأمريكي. وضعت تلك الماكينة الكاتب في محور اهتماماتها لتلاحقه بتهمة الانتماء للشيوعية وهي توجه دائماً لخصوم ومعارضي النظام حتى ولو كانوا لا يفرقون بين ماركس وبين الفنان جون واين، وأصدرت لجنة مكارثي أوامرها لدور النشر وشركات التوزيع بعدم التعامل مع شتاينبك بل وصل الأمر بحرق كتبه ومصادرتها ومنها الرواية الخالدة عناقيد الغضب. إن قيمة الرواية ليس بغورها في أحشاء المجتمع الأمريكي وفضح عيوبه والانتهاكات الصارخة بحق مواطنيه فحسب، بل أيضاً من خلال تأثيرها الخلاق والمدوي في أوساط المجتمع، فكما كانت رواية كوخ العم توم لهارييت بيتشر ستو فاعلة باتجاه التغيير في قناعات الناس تجاه موضوع العبيد وما لاقته من تأييد إلى حد إلغاء قانون الرقيق فإن رواية عناقيد الغضب حفرت مجرى عميقاً في تغيير التعامل، ودقت ناقوس الخطر في الأوضاع الصعبة التي يعيشها المزارعون خصوصاً مع سكان الخيام في كاليفورنيا، حصل شتاينبك عن روايته تلك على جائزة نوبل للآداب عام 1962 وجائزة البوليتزر، ومثلت في فيلم سينمائي.
#بلا_حدود