الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022
الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022

الإنسانية ورقي الأخلاق (2-2)

هذه الأخلاق القرآنية التي أشرنا إليها أمس هي ذاتها كانت مركز اهتمام الأنبياء الأول. وعن أنس رضي الله عنه قال: «ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط أف، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا؟». وأيضاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً». تلك هي الأخلاق الفعلية للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم سمتها الغالبة الرحمة والتراحم والتواضع وحسن الخلق .. أليس لنا في هذه الأخلاق النبوية أسوة حسنة كي نرتقي إلى أعالي درجات الإنسانية (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)، أسوة حسنة اقتداء لا نفوراً، عملاً لا قولاً، مضموناً لا شكلاً. ثم يحثنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق، وعلى حسن الخلق، وعلى الدرجات العلى التي تنتظر الأحاسن أخلاقاً.. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». ليس هذا فقط .. ولكن حسن الخلق يثقل الميزان يوم القيامة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». أي إن الله يبغض كل ما يقرب إلى مدارك انتهاك الإنسانية .. ثم يكون الجزاء الأتم للأحاسن أخلاقاً مرافقة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الآخرة، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون». وطبق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الأخلاق عملياً في حياته منذ بزوغ فجرها حتى غروب شمسها .. لقد كان يمشي صلى الله عليه وسلم ذات مرة في السوق، فنادته امرأة عجوز وهي لا تعرف من هو، وقالت له، يا ولدي احمل علي هذا الحمل، وأراد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يرفع الحمل على رأسها، فوجده ثقيلاً فحمله صلى الله عليه وسلم على كتفه الشريف عنها، وقال لها: يا خالة، دليني على بيتك. هو نبي، بل هو خاتم النبيين وسيد المرسلين، وهو إمام الأنبياء، وهو سيد ولد آدم، وهو حبيب الله .. ومع ذلك فهو من شدة تواضعه يحمل عن المرأة العجوز حملها. ولأنه صلى الله عليه وسلم كانت تلك أخلاقه ارتقت مؤهلاته .. ولأنه كان إماماً في حسن الخلق، أصبح إماماً للأنبياء، ولأنه كان سيداً في أخلاقه وتواضعه، أصبح سيداً للعالمين .. وبعد أن أوصل النبي الكريم هذه العجوز إلى بيتها، أرادت أن تعطي له أجراً على عمله، فأبى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .. فقالت له المرأة العجوز، أما وإنك شاب طيب، فعندي لك وصية فقال لها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، مري يا خالة. فقالت: يا ولدي، إنه قد ظهر بمكة شاب يدعي أنه رسول الله، إياك يا ولدي أن تتبعه فهو كذاب ابن كذاب. فقال لها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: وهل رأيتِه يا خالة؟ فقالت: لا. فقال، أنا محمد رسول الله .. فاحمر وجهها خجلاً وحياء، وتمنت لو كانت نسياً منسياً قبل النطق بهذه الكلمات، ثم قالت «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله». تلك هي الأخلاق التي يدين للإنسان بها الجميع «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» .. تلك هي الأخلاق التي كم تحتاجها الإنسانية اليوم .. فهل لنا من عودة إلى هذه الأخلاق .. أخلاق التواضع والكلمة الطيبة وحسن الخلق في السلوكيات والمعاملات والصبر على أذى الغير والحلم مع الجهال (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)... هل يمكن لبني البشر أن يتذكروا أن هذه الأخلاق هي المثال الأقرب لذات الله سبحانه، وهي المثال الذي يريده الله لخلقه. لذلك وعلى أقل تقدير، احتراماً لنفخ الله فينا من روحه، فلنُحي مبادئه التي أرادنا أن نكون عليها .. ولنعد مسرعين إلى حديقة الأخلاق فيحاء الرائحة طيبة الطعم حلوة المذاق .. أخلاق العفة والطهارة والسماحة والتواضع ولين الجانب. ذاك فقط هو المحك الرئيس للاقتراب من النموذج الذي يريده الله لنا .. وذاك فقط هو المحك الوحيد لعودة الإنسان إلى إنسانيته، وتحليق روحه في محراب مبادئها، فلعل تلك الأمنية يؤمن بها بشر، لم ينسوا ذاك النداء الأول الخالد في أعماقهم (وإذ أخذ ربك من بني آدم ذريتهم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) .. فلم تكن هذه الشهادة قاصرة على وجود الله وربوبيته، ولكنها كانت تشمل أيضاً الغاية من هذا الوجود والأسرار التي يحويها ومراد الله من هذا الخلق، فهل يعقل أحد؟ وهل يسمع أحد؟ وهل يبصر أحد؟ لعل البعض يعقل .. ولعل الآخرين ليس لهم من نصيب سوى قوله تعالى (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).