الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

التجربة الإماراتية تجربة عقول (1-2)

هناك دول تسعى بكامل طاقتها إلى الانطلاق نحو مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي ناظرة بعين المستقبل إلى الأجيال المقبلة، ومن ثم تخطط لها من أجل أن تتبوأ هذه الأجيال مكانتها بين مصاف الدولة المتقدمة، وهناك دول أخرى لا تنظر إلا تحت أقدامها راضية أن تأكل فتات الأرض منصاعة لغوائل قلة الموارد وكثرة النسل وضيق العيش، ومن ثم فلا تخطيط للمستقبل ولا نظر بعيداً حتى للآتي القريب. مع أن واقع الأمر يدلنا على أن التجارب النهضوية في العالم تجارب عقول، انظر إلى التجربة اليابانية مثلاً ـ وهي تجربة عقول بكل ما تحمله الكلمة من معنى - وقد يقال في هذا الشأن أن أمة اليابان كانت أسعد خطاً من العرب في نيل التقدم المنشود، وما ذلك إلا لأنهم سلكوا الطريق الذي أباه العرب على أنفسهم وهو الأخذ بالعلم النافع أو العلمي، ومن ثم كان حقاً على مفكر بقامة الدكتور محمود قاسم أن يقول إن اليابان نهضت نهضة علمية حقيقية وأرغمت الأوروبيين على احترامها؛ لأنها سابقتهم في ميدان العلم والصناعة حتى سبقتهم. والغريب في الأمر أن اليابان بدأت نهضتها الصناعية مع مصر في عصر واحد، بل مصر قبل اليابان، فأين نحن من اليابان اليوم؟ إن تقدم اليابان وتأخر العرب - على الرغم من أنهما بدآ طريق السعي إلى النهضة سوياً ـ يعود إلى العديد من المخاطر والأحداث الخطيرة التي مرت بها الأمة العربية عبر تاريخها الطويل، وتمثل هذه الأحداث بالنسبة لنا كوارث تاريخية قوامها غزو أوروبي عسكري وتشويش فكري، كما كان هناك عوامل أخرى تتعلق بفهم هؤلاء لحقيقة دينهم وفهمهم للأساليب التي تقودهم إلى هذا التقدم، وذلك باصطناع أساليب الغرب من إعداد القوة التي لا سبيل إليها إلا بتحصيل العلم، فضلاً عن أن اليابان لم يكن فيها فلاسفة كفلاسفة الغرب المتعصبين حتى يغرروا بها وينشروا الدعة بين أبنائها كما فعلوا في البلاد العربية والإسلامية. ونحن نرى في التجربة الإماراتية تجربة عقول كالتجربة اليابانية تسعى لأن تقيم بناءها على أسس علمية عقلية في المقام الأول، بل إن التجربة الإماراتية تتميز عن التجربة اليابانية في أنها تجد في الموارد المتاحة سنداً لها في إقامة النهضة المنشودة، بما يعني أن التجربة الإماراتية قفزت عشرات السنين نحو النهضة، وهو الأمر الذي نظن معه أن الإمارات الحبيبة تنطلق انطلاقة قوية نحو مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً وصناعياً، بما يؤهلها أن تكون عملاقاً اقتصادياً آسيوياً جديداً. فالتجربة الإماراتية إذن ليست تجربة البطون الممتلئة، ولا الأفواه المفتوحة، فهي ليست تجربة مال، إذ إن المال موجود في كثير من بلادنا العربية وما أكثره .. ومع ذلك لم يثمر نهضة، كما أنها ليست تجربة ديكور يظهر للناس من ظاهره العجب، في حين باطنه السواد والتخلف. وتكمن عقلانية التجربة الإماراتية في كونها تعمل على أن تتخذ من العلم سبيلاً لها، ولم ترتض عنه بديلاً، إذ ما من شك في أن العلم هو الأساس المتين الذي تقوم عليه أي حضارة في هذه الأرض، لما له من دور راق في بعث الشعوب وإثارة روح الابتكار فيها، ومن ثم نفهم لماذا حث المصلحون في بلادنا ـ وربما في غيرها ـ على الدعوة إلى العلم، وبيان أنه لن تقوم لنا قائمة إلا بالأخذ بأسباب العلم، ولم يكن المقصود بهذا العلم علم المتأخرين من أهل الفقه، فذلك شأن له رجاله أو طائفته الخاصة، تطبيقاً لدعوة الله التي أوجبت على المسلمين أن يخصصوا بعضهم للتفقه في الدين. أما العلم الذي يأخذ بيد الأمم إلى التقدم المدني والحضاري فهو العلم الذي يعتمد على دراسة الكون وكشف القوانين لمحاولة إخضاع الطبيعة، والعمل والإنتاج على كافة الصعد الحياتية، وتلك في الحق دعوة الإسلام.
#بلا_حدود